أم كيف أنسى مسيرنا حرما ... يوم حللنا بالنّخل من أمج [1]
يوم يقول الرسول قد أذنت ... فأت على غير رقبة فلج [2]
أقبلت أهوي إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الأرج
وكان محمد بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم واليا على مكة وهو خال هشام بن عبد الملك بلغه أنّ العرجيّ هجاه، فضربه ضربا مبرحا، وأقامه على أعين الناس، فجعل يقول: [الوافر]
سيغضب لي الخليفة بعد رقّي ... ويسأل أهل مكة عن مساقي
عليّ عباءة برقاء ليست ... من البلوى تجاوز نصف ساقي
وتغضب لي بأسرتها قصيّ ... ولاة الشعب والطّرق العماق
فحلف محمد بن هشام ألا يخرجه ما دامت له ولاية فأقام في السجن سبع سنين حتى مات، وهو القائل في سجنه: [الوافر]
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وخلّوني ومعترك المنايا ... وقد شرعت أسنّتهم لنحري
كأني لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو
أجرّر في الجوامع كلّ يوم ... ألا لله مظلمتي وهصري
عسى الملك المجيب لمن دعاه ... سينجيني فيعلم كيف شكري
فأجزي بالكرامة أهل ودّي ... وأجزي بالضغائن أهل ضرّي
البشر دالّ على السخاء كما يدلّ النّور على الثمر. إذا اضطررت إلى الكذّاب فلا تصدّقه، ولا تعلمه أنك تكذّبه، فينتقل عن ودّه، ولا ينتقل عن طبعه. كما أن الشمس لا يخفى ضوءها وإن كانت تحت السحاب كذلك الصبيّ لا تخفى غريزة عقله وإن كان مغمورا بأخلاق الحداثة. كرم الله، عزّ وجلّ، لا ينقض حكمته، ولذلك لا يجعل الإجابة في كل دعوة. كما أنّ جلاء السيف أهون من صنعه، كذلك استصلاح الصديق أهون من اكتساب غيره. إذا استرجع الله مواهب الدنيا كانت مواهب الآخرة. لولا ظلمة الخطا ما
(1) أمج، بفتح الهمزة والميم: بلد من أعراض المدينة. معجم البلدان (ج 1ص 249) .
(2) الرّقبة، بكسر الراء وسكون القاف: التحفظ والفرق. فلج: أمر من الولوج وهو الدخول. القاموس المحيط (رقب) و (ولج) .