فقلت لها: ما بي لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي
فاستخذى [1] جميل وصاح: هذا والله الذي طلبت الشعراء فأخطأته، فتعلّلوا بوصف الديار، ونعت الأطلال.
ولمّا مات عمر بن أبي ربيعة نعي لأمرأة من مولّدات مكة، وكانت بالشام، فبكت وقالت: من لأباطح مكة؟ ومن يمدح نساءها، ويصف محاسنهن، ويبكي طاعتهن؟! فقيل لها: قد نشأ فتى من ولد عثمان بن عفان [2] على طريقته، فقالت: أنشدوني له، فأنشدوها: [الطويل]
وقد أرسلت في السرّ ليلى بأن أقم ... ولا تقربنّا فالتجنّب أجمل
لعلّ العيون الرامقات لوصلنا ... تكذب عنّا أو تنام فتغفل
أناس أمنّاهم فبثّوا حديثنا ... فلمّا كتمنا السّرّ عنهم تقوّلوا
فما حفظوا العهد الذي كان بيننا ... ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا
فتسلّت وقالت: هذا أجلّ عوض، وأفضل خلف، فالحمد لله الذي خلف على حرمه وأمته مثل هذا.
وقال عروة بن أذينة: أنشدت ابن أبي عتيق للعرجي: [الطويل]
فما ليلة عندي وإن قيل ليلة ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر
بعادلة الاثنين، عندي وبالحرا ... يكون سواء مثلها ليلة القدر [3]
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... لجارتها: قومي سلي لي عن الوتر [4]
فجاءت تقول الناس في ست عشرة ... ولا تعجلي عنه فإنك في أجر
فقال ابن أبي عتيق: هذه أفقه من ابن أبي شهاب أشهدكم أنّها حرّة من مالي إن أجاز أهلها ذلك.
والعرجيّ هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بعرج الطائف فنسب إليه، وهو القائل [5] : [المنسرح]
هل في ادّكاري الحبيب من حرج ... أم هل لهمّ الفؤاد من فرج
(1) استخذى: خضع. محيط المحيط (خذي) .
(2) الفتى هو العرجي، وسيترجم له المؤلف بعد قليل.
(3) بالحرا يكون: أي حريّ به. القاموس المحيط (حرا) .
(4) الوتر: الفرد أو ما لم يتشفّع من العدد. القاموس المحيط (وتر) .
(5) الأبيات في معجم البلدان (ج 1ص 250، مادة أمج) ، ببعض الاختلاف عمّا هنا.