له من حميد الذكر، وجميل النّشر، ما لا تزال الرواة تدرسه، والتواريخ تحرسه. سألت عن أخباره فكأني حرّكت المسك فتيقا، أو صبّحت الروض أنيقا. أخباره متضوعة كتضوّع المسك الأذفر [1] ، ومشرقة إشراق الفجر الأنور. أحببته بالخبر، قبل الأثر، وبالوصف قبل الكشف. هو ممن يثقل ميزان ودّه، ويحصف ميثاق عهده. هو كريم العهد، صحيح العقد، سليم الصّدر في الودّ، حميد الورد فيه والصدر. هو لإخوانه عدّة تشدّهم وتقويهم، ونور يسعى بين أيديهم. هو ركن الإخاء، صافي شرب الوفاء، حافظ على الغيب ما يحفظه على اللقاء. هو ممن لا تدوم المداهنة في عرصات قلبه، ولا تحوم المواربة على جنبات صدره. هو يسري إلى كرم العهد، في ضياء من الرّشد. عهده نقش في صخر، وودّه نسب ملآن من فخر. يقبل من إخوانه العفو، كما يوليهم من إحسانه الصّفو. في ودّه غنى للطالب، وكفاية للراغب، ومراد للصّحب، وزاد للركب. هو في حبل الوفاء حاطب، وعلى فرض الإخاء مواظب. النّجح معقود في نواصي آرائه، واليمن معتاد في مذاهب أنحائه. له الرّأي الثاقب الذي تخفى مكايده، وتظهر عوائده، والتدبير النافذ الذي تنجع مباديه، وتبهج تواليه. رأي كالسّهم أصاب غرّة الهدف، ودهاء كالبحر في بعد الغور وقرب المغترف، لا يضع رأيه إلّا مواضع الأصالة، ولا يصرف تدبيره إلّا على مواقع السداد والإصابة. يعرف من مبادىء الأقوال خواتم الأفعال، ومن صدور الأمور أعجاز ما في الصدور. رؤيته رأي صليت، وبديهته قدر مصيب. يسافر رأيه وهو دان لم يبرح، ويسير تدبيره وهو ثاو لم ينزح. له رأي لا يخطىء شاكلة الصّواب، [ولا يخشى بادرة العثار. فلان يخمّر الرأي ويحيله، ويجيد الفكر ويجيله، حتى يحصل على لب الصواب] ، ومحض الرأي. إذا أذكى سراج الفكر، أضاء ظلام الأمر، هو قطب صواب تدور به الأمور، ومستنبط صلاح يردّ إليه التدبير. يرى العواقب في مرآة عقله، وبصيرة ذكائه وفضله. وله رأي يردّ الخطب مصلّما، والرمح مقلّما. [آراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب] ، كأنه ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق، ويطالعه بعين السّداد والتوفيق. يستنبط حقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب. قد سرينا من مشورته في ضياء ساطع، ومن رأيه الصائب في حكم قاطع.
أبو نواس [2] : [البسيط]
(1) المسك الأذفر: الطيب الريح. لسان العرب (ذفر) .
(2) ديوان أبى نواس (ص 457) .