سمع، يرى بأوّل رأيه آخر الأمر، جوهر من جواهر الشرف لا من جواهر الصّدف، وياقوتة من يواقيت الأحرار، لا يواقيت الأحجار، طلعته للبشاشة عليها ديباجة خسروانيّة، وفيها للطلاقة روضة ربيعية. وجه كأنّ بشرته نشر البشر، ومواجهته أمان من الدّهر. يصل ببشره، قبل أن يصل ببرّه، قد لحظت من وجهه الأنوار، ومن بنانه النوّار. أنا من كرم عشرته، وطلاقة أسرّته، في روضة وغدير، وجنّة وحرير، وهو بحر من العلم ممدود بسبعة أبحر، ويومه من يوم الأدب كعمر سبعة أنسر. العلم حشو ثيابه، والأدب ملء إهابه. هو شخص الأدب مائلا، ولسان العلم قائلا. شجرة فضل عودها أدب، وأغصانها علم، وثمرتها عقل، وعروقها سرو، تسقيها سماء الحريّة، وتغذّيها أرض المروءة. هم ملح الأرض إذا فسدت، وعمارة الأرض إذا خربت، ومعرض الأيام إذا احتشدت وهم جمال الأيام، وخواصّ الأنام، وفرسان الكلام، وفلاسفة الإسلام. فلان غصن طبعه نضير، ليس له في مجده نظير، قد جمع الحفظ الغزير، والفهم الصحيح، والأدب القويّ القويم، وما يؤنسه من الوحشة إلّا الدفاتر، ولا يصحبه في الوحدة إلّا المحابر. فلان يحلّ دقائق الأشكال، ويزيل معترض الإشكال. له خلق كنسيم الأسحار، على صفحات الأنوار. كالماء صفاء، والمسك ذكاء. أخلاق قد جمعت المروءة أطرافها، وحرست الحرية أكنافها. أخلاق تجمع الأهواء المتفرّقة على محبته، وتؤلّف الآراء المتشتّتة على مودّته. أخلاق أعذب من ماء الغمام، وأحلى من ريق النّحل، وأطيب من زمان الورد.
أخلاق أحسن من الدرّ والعقيان، في نحور الحسان، وأذكى من حركات الروح والرّيحان.
فلان يستحطّ القمر بطرفه، ويستنزل النّجم بلطفه. هو حلو المذاق، سهل المساغ. أجمل الناس في جدّ، وأحلاهم في هزل. يتصرّف مع القلوب، كتصرّف السحاب مع الجنوب.
ذو جدّ كعلوّ الجدّ [1] ، وهزل كحديقة الورد. له عشرة ماؤها يقطر، وصحوها من الغضارة يمطر. هو ريحانة على القدح، وذريعة إلى الفرح. عشرته ألطف من نسيم الشمال، على أديم الزّلال، وألصق بالقلب، من علائق الحب. إذا أردت فهو سبحة ناسك، أو أحببت فهو تفّاحة فاتك، أو اقترحت فهو مدرعة راهب، أو آثرت فهو نخبة شارب. أخباره زكيّة، وآثاره ذكية. أخباره تأتينا كما وشى بالمسك ريّاه، ونمّ على الصباح محيّاه. قد انتشر من طيب أخباره ما زاد على المسك الفتيق، وأوفى على الزّهر الأنيق. مناقب تشدخ في جبينها غرّة الصباح، وتتهادى أنباءها وفود الرياح. فلان أخباره آثاره، وعينه فراره [2] ، قد حصل
(1) الجدّ، بكسر الجيم: الاجتهاد. والجدّ، بفتح الجيم: الحظّ والبخت. لسان العرب (جدد) .
(2) أخذه من المثل: «إنّ الجواد عينه فراره» . يضرب لمن يدلّ ظاهره على باطنه فيغني عن اختباره، حتى لقد يقال: إنّ الخبيث عينه فراره. مجمع الأمثال (ج 1ص 9، رقم المثل 5) .