من كلّ مسجور الحريق إذا انبرى ... من سجنه انصلت انصلات الكوكب
عريان يقدمه الدخان كأنه ... صبح يكرّ على الظلام الغيهب
ولواحق مثل الأهلّة جنّح ... لحق المطالب فائتات المهرب
يذهبن فيما بينهنّ لطافة ... ويجئن فعل الطائر المتغلّب
كنضائض الحيّات رحن لواعبا ... حتى يقعن ببرك ماء الميزب
شرعوا جوانبها مجادف أتعبت ... شأو الرياح لها ولمّا تتعب
تنصاع من كثب كما نفر القطا ... طورا، وتجتمع اجتماع الرّبرب [1]
والبحر يجمع بينها فكأنه ... ليل يقرّب عقربا من عقرب
وعلى كواكبها أسود خلافة ... تختال في عدد السلاح المذهب
فكأنما البحر استعار بزيّهم ... ثوب الجمال من الربيع المعجب
كتب العباس بن جرير إلى الفضل بن يحيى:
لا أعلم منزلة توحشني من الأمير ولا توحشه مني لأنني في المودّة له كنفسه، وفي الطاعة كيده، وإنما ألطفه من فضله، وقد بعثت بعض ما ظننت أنه يحتاج إليه في سفره.
وذكر ما بعث.
وكتب غيره في هذا المعنى: إذا كان اللّطف دليل محبّة، وميسم قربة، كفى قليله عن كثيره، وناب يسيره عن خطيره، لا سيما إذا كان المقصود به ذا همة لا يستعظم نفيسا، ولا يستصغر خسيسا وقد حزت من هذه الصفة أجلّ فضائلها، وأرفع منازلها.
وفي هذا المعنى: إن يد الأنس طويلة بكلّ ما بلغت، منبسطة بكلّ ما أدركت، من حيث يد الحشمة قصيرة عن كلّ ما حوت، مقبوضة دون ما أمّلت لأن باب القول مطلق لذوي الخصوص، محظور عند ذوي الهموم، ولتمكّن ما بيننا عاطيتك من لطفي ما لا دونه قلّة، ثقة منك بأنه يرد على ما لا فوقه كثرة.
لمثل هذا اليوم الجديد والأوان السعيد سنّة، وعلى مثلي فيها أن يتحف ويلطف،
(1) الرّبرب: القطيع من بقر الوحش. محيط المحيط (ربرب) .