وكتب أبو الفضل بن العميد في بابه: الحمد لله الذي كشف عنّا ستر الحيرة، وهدانا لستر العورة، وجدع [1] بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات، استنزالا للنفوس الأبيّة، عن حميّة الجاهلية. ثم عرّض للجزيل من الأجر من استسلم لمواقع قضائه وعوّض جزيل الثواب لمن صبر على نازل بلائه وهنّاك الله، الذي شرح للتقوى صدرك، ووسّع في البلوى صبرك، ما ألهمك من التسليم بمشيئته، والرضا بقضيّته، ووفّقك له من قضاء الواجب في أحد أبويك، ومن عظم حقّه عليك وجعل الله تعالى حدّه [2] ما تجرّعته من أنف [3] ، وكظمته من أسف، معدودا يعظّم الله عليه أجرك، ويجزل به ذخرك وقرن بالحاضر من امتعاضك لفعلها المنتظر من ارتماضك [4] لدفنها، وعوّضك من أسرّة فرشها أعواد نعشها وجعل ما ينعم به عليك من بعدها من نعمة معرّى من نقمة، وما يوليك بعد قبضها من منحة مبرأ من محنة.
هنأ الله سيدي ورد الكريمة عليه، وثمّر بها أعداد النّسل الطيّب لديه وجعلها مؤذنة بإخوة بررة، يعمرون أندية الفضل، ويغبرون [5] بقيّة الدّهر.
اتصل بي خبر المولودة، كرّم الله غرّتها وأنبتها نباتا حسنا، وما كان من تغيّرك بعد اتّضاح الخبر، وإنكارك ما اختاره الله لك في سابق القدر، وقد علمت أنهنّ أقرب من القلوب، وأنّ الله تعالى بدأ بهنّ في الترتيب، فقال جلّ من قائل: {يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ إِنََاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ الذُّكُورَ} [6] . وما سمّاه هبة فهو بالشكر أولى، وبحسن التقبّل أحرى.
أهلا وسهلا بعقيلة النساء، وأمّ الأبناء، وجالبة الأصهار، وأولاد الأطهار، والمبشّرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون: [الوافر]
فلو كان النّساء كمثل هذي ... لفضّلت النّساء على الرّجال
فما التّأنيث لاسم الشّمس عيب ... ولا التّذكير فخر للهلال
والله يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة في موقعها، فادّرع اغتباطا، واستأنف
(1) جدع الأنف: قطعه. القاموس المحيط (جدع) .
(2) الحدّ: البأس. القاموس المحيط (حدد) .
(3) الأنف: الحميّة. لسان العرب (أنف) .
(4) الارتماض: القلق والحزن. لسان العرب (رمض) .
(5) يغبرون: يمكثون. القاموس المحيط (غبر) .
(6) سورة الشورى 42، الآية 49.