فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 993

فأحي ذكرك بالإحسان تزرعه ... تجمع به لك في الدنيا حياتان

وقال عبد السلام بن رغبان الحمصي [1] : [الطويل]

سقى الغيث أرضا ضمّنتك وساحة ... لقبرك فيه الغيث واللّيث والبدر

وما هي أهل إذ أصابتك بالبلى ... لسقيا، ولكن من حوى ذلك القبر

أخذ هذا البيت [الأول] الراضي فقال يرثي أباه المقتدر: [الطويل]

بنفسي ثرى ضمّنت في ساحة البلى ... لقد ضمّ منك الغيث والليث والبدرا

فلو أنّ عمري كان طوع مشيئتي ... وأسعدني المقدور قاسمتك العمرا

ولو أنّ حيّا كان قبرا لميّت ... لصيّرت أحشائي لأعظمه قبرا

هذا البيت ينظر إلى قول المتنبي [2] : [الكامل]

حتى أتوا جدثا كأنّ ضريحه ... في قلب كلّ موحّد محفور

لما حملت قطر الندى بنت خمارويه بن [أحمد بن] طولون إلى المعتضد كتب معها أبوها إليه يذكر بحرمة سلفها [بسلفه] ، ويذكر ما ترد عليه من أبّهة الخلافة، وجلالة الخليفة، ويسأل إيناسها وبسطها، فبلغت من قلب المعتضد لما زفّت إليه مبلغا عظيما، وسرّ بها غاية السرور، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب، فأراد أن يكتبه بخطّه، فسأله أبو الحسين بن ثوابة أن يؤثره بذلك ففعل وغاب أياما وأتى بنسخة يقول في فصل منها: وأمّا الوديعة فهي بمنزلة شيء انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، وحياطة عليها، ورعاية لمودّتك فيها. ثم أقبل عبيد الله يعجب من حسن ما وقع له من هذا، وقال: تسميتي لها بالوديعة نصف البلاغة، فقال عبيد الله:

ما أقبح هذا! تفاءلت لامرأة زفّت إلى صاحبها بالوديعة، والوديعة مستردة. وقولك: «من يمينك إلى شمالك أقبح» لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمال، ولو قلت:

«وأما الهدية فقد حسن موقعها منّا، وجلّ خطرها عندنا! وهي وإن بعدت عنك، بمنزلة من قربت منك لتفقّدنا لها، وأنسنا بها، ولسرورها بما وردت عليه، واغتباطها بما صارت إليه» لكان أحسن. فنفذ الكتاب.

وكانت قطر الندى مع جمالها موصوفة بفضل العقل، خلا بها المعتضد يوما للأنس

(1) عبد السلام بن رغبان الحمصي هو الشاعر المعروف بديك الجن، والبيتان في ديوانه (ص 79) .

(2) ديوان المتنبي (ص 67) من قصيدة رثاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت