ألقت أنامله على أقلامه ... شبها أراك فرندها كفرنده
وكأنما أنقاسه من شعره [1] ... وكأنما قرطاسه من خدّه
وقال أحمد بن أبي سمرة الدارمي فيما ينظر إلى هذا من طرف خفي: [الطويل]
[سراب الفيافي صادق عند وعدها ... وسمّ الأفاعي مبرىء عند صدّها]
رمتني ولم أسعد بأيام وصلها ... بعيني مهاة أنحستني ببعدها
فعلّقها قلبي كما تعلّقت ... صوالج صدغيها بتفّاح خدّها
فقلبي لمّا أضعفته كخصرها ... ودمعي لمّا نظمته كعقدها
ونيل الثّريّا ممكن عند وصلها ... وأسرع من برق تناقض وعدها
رقعة كتبها بديع الزمان إلى ابن العميد يستنجزه: أين تكرّم الشيخ العميد أيّده الله على مولاه؟ وكيف معدله إلى سواه؟ أيقصر في النعمة لأني قصّرت في الخدمة؟ إذن فقد أساء المعاملة، ولم يحسن المقابلة، وعثر في أذيال السهو، ولم ينعش بيد العفو، أم يقول: إن الدهر بيننا خدع، وفيما بعد متّسع، فقد أزف رحيلي، ولا ماء بعد الشطّ، ولا سطح وراء الخط أم ينتظر سؤالي؟ وإنما سألته، يوم أمّلته، واستمنحته [2] ، يوم مدحته، واقتضيته، يوم أتيته، وانتجعت سحابه، لما قرعت بابه، وليس كل السؤال أعطني، ولا كل الردّ أعفني أم يظن أيّده الله تعالى أني أردّ صلته، ولا ألبس خلعته؟ وهذه فراسة المؤمن إلا أنها باطلة، ومخيلة العارف إلا أنها فاسدة أم ليس يجد فيّ مكانا للنعمة يضعها، وأرضا للمنّة يزرعها؟ فلا أقلّ من تجربة دفعة، والمخاطرة بإنفاذ خلعة، ليخرج من ظلمة التخمين، إلى نور اليقين، وينظر أأشكر أم أكفر أم يتوقع أيّده الله صاعقة تملكني، أو بائقة [3] تهلكني، فلهذا أمل موفّر لأن شيخ السوء باق معمّر أم يقدر أيّده الله أني أشكره إذا اصطنع، وأعذره إذا منع، وتالله لو كنت ينبوع المعاذير ما حظي منها بجرعة، فليرحني بسرعة.
وكتب أبو القاسم الهمذانيّ إلى البديع: قد كتبت لسيدي حاجة إن قضاها وأمضاها، ذاق حلاوة العطاء، وإن أباها وفلّ شباها [4] لقي مرارة الاستبطاء، فأي الجودين أخفّ
(1) الأنقاس: جمع نقس وهو المداد. القاموس المحيط (نقس) .
(2) استمنحته: طلبت منحته، أي عطاءه. القاموس المحيط (منح) .
(3) البائقة: المهلكة. لسان العرب (بأق) .
(4) فلّ شباها: كسرها وحطّمها والشّبا: الحدّ. لسان العرب (فلل) و (شبا) .