عليه؟ أجود بالعلق [1] ، أم جود بالعرض؟ ونزول عن الطريف، أم عن الخلق الشريف؟.
فأجابه: جعلت فداك هذا طبيخ، كله توبيخ، وثريد، كله وعيد، ولقم، إلّا أنها نقم، ولم أر قدرا أكثر منها عظما، ولا آكلا أكثر مني كظما، ولم أر شربة أمرّ منها طعما، ولا شاربا أتمّ مني حلما، ما هذه الحاجة؟ ولتكن حاجتك من بعد ألين جوانب، وألطف مطالب، توافق قضاءها وترافق ارتضاءها، إن شاء الله تعالى.
وفي مقامات أبي الفتح [2] الإسكندري من إنشائه، قال:
حدّثنا عيسى بن هشام قال: أحلّني جامع بخارى يوم، وقد انتظمت مع رفقة في سمط الثريّا، وحين احتفل الجامع بأهله طلع علينا ذو طمرين [3] ، قد أرسل صوانا [4] ، واستتلى [طفلا] عريانا، يضيق بالضرّ وسعه، ويأخذه القرّ ويدعه، لا يملك غير القشرة بردة، ولا يلتقي لحياه رعدة، ووقف الرجل وقال: لا ينظر لهذا الطفل إلّا من رحم طفله، ولا يرقّ لهذا الضرّ إلّا من لا يأمن مثله، يا أصحاب الجدود المفروزة، والأردية المطروزة، والدور المنجّدة، والقصور المشيّدة، إنكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا وارثا، فبادروا الخير ما أمكن، وأحسنوا مع الدهر ما أحسن، فقد والله طعمنا السّكباج [5] ، وركبنا الهملاج [6] ، ولبسنا الديباج، وافترشنا الحشايا بالعشايا، فما راعنا إلّا هبوب الدهر بغدره، وانقلاب المجنّ لظهره، فعاد الهملاج قطوفا [7] ، وانقلب الديباج صوفا، وهلمّ جرّا، إلى ما تشاهدون من حالي وزيّي فها نحن نرضع من الدهر ثدي عقيم، ونركب من الفقر ظهر بهيم، ولا نرنو إلّا بعين اليتيم، ولا نمدّ إلّا يد العديم، فهل من كريم يجلو عنّا غياهب هذه البؤوس، ويفلّ شبا هذه النحوس؟. ثم قعد مرتفقا، وقال للطفل: أنت وشأنك. فقال: وما عسى أن أقول، وهذا الكلام لو لقي الشعر لحلقه، أو الصخر لفلقه، وإنّ قلبا لم ينضجه ما قلت لنيء! قد سمعتم يا قوم، ما لم تسمعوا قبل اليوم، فليشغل كلّ منكم بالجود يده، وليذكر غده، واقيا بي ولده، واذكروني أذكركم، وأعطوني أشكركم!.
(1) العلق: النفيس من كل شيء. لسان العرب (علق) .
(2) أي المقامات التي وضعها بديع الزمان على لسان أبي الفتح الإسكندري.
(3) الطّمر: الثوب الخلق البالي. لسان العرب (طمر) .
(4) صوان الثوب: وعاؤه الذي يصان فيه. لسان العرب (صون) .
(5) السّكباج: مرق يعمل من اللحم والخلّ. محيط المحيط (سكبج) .
(6) الهملاج: الفرس السريع، جمعه هماليج. محيط المحيط (هملج) .
(7) القطوف: البطيء السّير. لسان العرب (قطف) .