فهرس الكتاب

الصفحة 564 من 993

ذكر عتبة بن أبي سفيان كلام العرب فقال: إن للعرب كلاما هو أرقّ من الهواء، وأعذب من الماء، مرق من أفواههم مروق السهام من قسيّها، بكلمات مؤتلفات، إن فسّرت بغيرها عطلت، وإن بدلت بسواها من الكلام استصعبت فسهولة ألفاظهم توهمك أنها ممكنة إذا سمعت، وصعوبتها تعلمك أنها مفقودة إذا طلبت. هم اللطيف فهمهم، النافع علمهم، بلغتهم نزل القرآن، وبها يدرك البيان، وكلّ نوع من معناه مباين لما سواه، والناس إلى قولهم يصيرون، وبهداهم يأتمّون، أكثر الناس أحلاما، وأكرمهم أخلاقا.

وكان يقال: خير الكلام المطمع الممتنع.

وأنشد إبراهيم بن العباس الصّوليّ لخاله العباس بن الأحنف: [السريع]

إليك أشكو ربّ ما حلّ بي ... من صدّ هذا العاتب المذنب

إن قال لم يفعل، وإن سيل لم ... يبذل، وإن عوتب لم يعتب

صبّ بعصياني، ولو قال لي ... لا تشرب البارد لم أشرب

ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، الصعب الممتنع، العزيز النظير، القليل الشبيه، البعيد مع قربه، الحزن [1] مع سهولته، فجعل الناس يقولون: هذا الكلام أحسن من الشعر.

وقال أبو العباس الناشىء يصف شعره: [الكامل]

يتحيّر الشعراء إن سمعوا به ... في حسن صنعته وفي تأليفه

فكأنه في قربه من فهمهم ... ونكولهم في العجز عن ترصيفه

شجر بدا للعين حسن نباته ... ونأى عن الأيدي جنى مقطوفه

فإذا قرنت أبيّه بمطيعه ... وقرنته بغريبه وطريفه

ألفيت معناه يطابق لفظه ... والنظم منه جليّه بلطيفه

فأتاه متّسقا على إحسانه ... قد نيط منه رزينه بخفيفه

هذبته فجعلته لك باقيا ... ومنعت صرف الدهر عن تصريفه

وقال الناشىء في فصل من كتابه في الشعر: الشعر قيد الكلام، وعقل الآداب، وسور البلاغة، ومعدن البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسّل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة الأديب، وعصمة الهارب، وعدّة الراهب،

(1) الحزن، بفتح الحاء وسكون الزاي: ما غلظ من الأرض. القاموس المحيط (حزن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت