أبوا أن يملّونا ولو أن أمنّا ... تلاقي الذي يلقون منّا لملّت
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأظلّت
فقر من كلامه رضي الله عنه: صنائع المعروف تقي مصارع السوء. الموت أهون ممّا بعده، وأشدّ ممّا قبله. ليست مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة. ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، والنكث، والمكر. إن الله قرن وعده بوعيد ليكون العبد راغبا وراهبا.
ولما توفي، رضي الله عنه، وقفت عائشة على قبره، فقالت: نضّر الله وجهك يا أبت، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وللآخرة معزّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رزؤك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر عنك حسن العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله تعالى بالصبر فيك، وأستقضيه بالاستغفار لك، أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا فلقد قمت بأمر الدين لمّا وهى شعبه وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه فعليك سلام الله توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية [1] على القضاء فيك.
وقال أبو بكر لبلال لما قتل أمية بن خلف وقد كان يسومه سوء العذاب بمكة فيخرجه إلى الرّمضاء [2] ، فيلقي عليه الصخرة العظيمة ليفارق دين الإسلام فيعصمه الله من ذلك: [الوافر]
هنئيا زادك الرحمن خيرا ... فقد أدركت، ثأرك يا بلال
فلا نكسا وجدت ولا جبانا ... غداة تنوشك الأسل الطوال [3]
إذا هاب الرّجال ثبتّ حتى ... تخلط أنت ما هاب الرّجال
على مضض الكلوم بمشرفيّ [4] ... جلا أطراف متنيه الصّقال
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه! إلى ابنه عبد الله:
أمّا بعد، فإنه من اتّقى الله وقاه، ومن توكّل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن أقرضه
(1) الزارية: العائبة يقال: زرى عمله عليه إذا عابه عليه. محيط المحيط (زرى) .
(2) الرّمضاء: شدّة الحرّ، والأرض الحارة الحامية من شدة حرّ الشمس. محيط المحيط (رمض) .
(3) الرجل النّكس: الضعيف الدنيء. الأسل: جمع أسلة وهي الرمح. محيط المحيط (نكس) و (أسل) .
(4) الكلوم: جمع كلم وهو الجرح. المشرفيّ: السيف ينسب إلى مشارف اليمن. لسان العرب (كلم) و (شرف) .