وكتبه بالقرآن، لنزّل فيكم نبيّ نقمة، وأنزل فيكم قرآن غدر وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوي السّفل، ومساويهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقولة بالعيّ [1] ، وأيديهم معقودة بالبخل، وهم كما قال الشاعر: [البسيط]
لا يكبرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا
وغنّى مغنّ بحضرة أحمد بن يوسف ولم يكن محسنا، فلم ينصتوا له، وتحدّثوا مع غنائه، فغضب المغنّي فقال أحمد بن يوسف: أنت، عافاك الله، تحمّل الأسماع ثقلا، والقلوب مللا، والأعين قباحة، والأنف نتانة، ثم تقول: اسمعوا مني، وأنصتوا إليّ! هذا إذا كانت أفهامنا مقفلة، وآذاننا صدئة، فإمّا رضيت بالعفو منّا، وإلّا قمت مذموما عنّا.
يترنّم فيتعب ولا يطرب. إذا غنّى عنّى، وإذا أدّى آذى. يميت الطّرب، ويحيي الكرب. ضربه يوجب ضربه. من عجائب غنائه أنه يورد الشتاء في الصيف. ما رؤي قطّ في دار مرتين، وحضر جحظة مجلسا فيه عليّ بن بسام، فتفرّق القوم المخادّ، فقال جحظة [2] : فما لي لم تعطوني مخدّة؟ فقال علي بن بسام: غنّ فالمخادّ كلّها إليك تصير! وفيه يقول ابن بسام: [السريع]
يا من هجوناه فغنّانا ... أنت، وبيت الله، أهجانا
سيّان إن غنّى لنا جحظة ... أو مرّ مجنون فزنّانا
وكان خالد يستبرد، فبعث بعض الظرفاء غلامه يشتري له خمسة أرطال ثلج، فأتاه بخالد وقال: يا مولاي، طلبت خمسة أرطال، وهذا حمل!
وتغنّى بحضرة محموم، فقال: ويحك! دعنا نعرق!
وقال بعض المحدثين في قريس المغني: [المتقارب]
ألا فاسقني قدحا وافرا ... يعين على البلغم الهائج
أكلنا قريسا وغنّى قريس ... فنحن على شرف الفالج
ولقي أبو العباس المبرد برد الخيار المغنّي في يوم ثلج بالجسر، فقال: أنت المبّرد وأنا برد الخيار، واليوم كما ترى، اعبر بنا لا يهلك الناس بالفالج بسببنا.
(1) العيّ: عدم الاهتداء لوجه المراد. القاموس المحيط (عيي) .
(2) جحظة: هو أحمد بن جعفر بن موسى ابن برمك، كما سيأتي بعد قليل.