فإذا ما رأيتها تشرب الرّا ... ح أرتني شمسا تقبّل بدرا
وإنما احتذى أبو نواس في هذه الأشعار التي وصف فيها ترك الشراب وطاعته لأمر الأمين مثال بشّار بن برد، وصبّ على قالبه وذاك أن بشارا لما قال [1] : [الكامل]
لا يؤيسنّك من مخبّأة ... قول تغلّظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا
بلغ ذلك المهدي فغاظه وقال: يحرّض النساء على الفجور، ويسهّل السبيل إليه! فقال له خاله يزيد بن منصور الحميري: يا أمير المؤمنين، قد فتن النساء بشعره، وأيّ امرأة لا تصبو إلى مثل قوله [2] : [الرمل]
عجبت فطمة من نعتي لها ... هل يجيد النّعت مكفوف النّظر؟
بنت عشر وثلاث قسّمت ... بين غصن وكثيب وقمر
درّة بحريّة مكنونة ... مازها التاجر من بين الدّرر
أذرت الدمع وقالت: ويلتي ... من ولوع الكفّ ركّاب الخطر
أمتي بدّد هذا لعبي ... ووشاحي حلّه حتى انتثر
فدعيني معه يا أمتي ... علّنا في خلوة نقضي الوطر
أقبلت في خلوة تضربها ... واعتراها كجنون مستعر
بأبي والله ما أحسنه ... دمع عين غسّل الكحل قطر
أيها النّوّام هبّوا ويحكم ... وسلوني اليوم ما طعم السّهر
فأمره المهدي ألّا يتغزل، فقال أشعارا في ذلك، منها [3] : [مجزوء الكامل]
يا منظرا حسنا رأيته ... من وجه جارية فديته
لمعت إليّ تسومني ... ثوب الشباب وقد طويته [4]
والله ربّ محمد ... ما إن غدرت ولا نويته
أمسكت عنك، وربما ... عرض البلاء وما ابتغيته
إنّ الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئا أبيته
(1) ديوان بشار بن برد (ص 63) .
(2) ديوان بشار بن برد (ص 136135) .
(3) ديوان بشار بن برد (ص 5655) .
(4) في الديوان: «بعثت إليّ تسومني برد الشباب» .