من ذكر البكاء والجزع وعظم المصائب: خبر عزّ على النفوس مسمعه، وأثّر في القلوب موقعه. خبر تصطكّ له المسامع، وترتجّ به الأضالع، وتسقط له الحبالى، وتصحو منه السكارى. خبر كادت له القلوب تطير، والعقول تطيش، والنفوس تطيح.
خبر يخفض البصر ويقذيه، ويقبض الأمل ويقدح فيه. الخبر في أثناء الرجاء قد انقطع، وأصمّ به الناعي وقد أسمع. ناعي الفضائل قائم، وأنف المحاسن راغم. خبر أحرج الصّدر، وأحلّ البكاء، وحرّم الصبر، وأطار واقع السكون، وأثار كامن الوجوم، وثقلت وطأته على أجزاء النفس، وتأدّت معرته إلى سرّ القلب. كتبت والأرض واجفة، والشمس كاسفة، للرزء العظيم، والمصاب الجسيم، في فلك الملك، وركن المجد، وقريع الشّرق والغرب، وما عسى أن يقال في الفلك الأعلى إذا انهار من جوانبه، وتهافت على مناكبه.
أتى الناعي، فندب المساعي، وقامت بواكي المجد، وكسفت شمس الفضل، وعاد النهار أسود، والعيش أنكد. غرب لموته نجم الفضل، وكسدت سوق الأدب، وقامت نوادب السماحة، ووقف فلك الكرم، ولطمت عليه المحاسن خدودها، وشقّت له المناقب جيوبها [وبرودها] ، وقد كانت الرزيّة بحيث مارت السماء مورا، وسارت الجبال سيرا، حتى شوهدت الكواكب ظهرا، ثم تهافتت شفعا ووترا، فارتاعت الأمّة، وانبسطت الظلمة، وارتفعت الرّحمة، واضطربت الملّة، وقامت نوادب المجد، وأصبح الناس من القيامة على وعد. إنّ المجد بعده لجاري الدمع، وإنّ الفضل لمنزعج النفس، وإنّ الكرم لحرج الصدر، وإن الملك لواهن الظّهر. كتابي وأنا من الحياة متذمّم، وبالعيش متبرّم، بعدما ماد الطّود الشامخ، وزال الجبل الباذخ، ونطقت نوادب المجد، وأقيمت مآتم الفضل. نعي فلان فتنكّر وجه الدهر، وقبضت مهجة الفخر، فلا قلب إلّا قد تباين صدعه، ولا عين إلّا وهي ترشح بالدّم بعده. كتبت والأحشاء محترقة، والأجفان بمائها غرقة، والدمع واكف، والحزن عاكف. مصاب أطلق أسراب الدموع وفرّقها، وأقلق أعشار القلوب وأحرقها، مصاب فضّ عقود الدموع، وشبّ النار بين الضلوع. مصاب أذاب دموع الأحرار، فتحلّبت [1] سحائب الدموع الغزار، وانسدّت مسالك السكون والاستقرار. كتبت عن عين تدمع، وقلب يجزع، ونفس تهلع [2] ، وقد أذللت مصون العبرة، وحجبت وافد الحيرة، ومدّ الهمّ إلى جسمي يد السقم، وجرّ الدمع على خدّي
(1) تحلّبت: سالت. لسان العرب (حلب) .
(2) تهلع: تحزن. لسان العرب (هلع) .