ولليمّ إنذار بغوص متونه ... وما فيه من آذيّه المتراكب [1]
وهي طويلة، وفيما مرّ كفاية تنبىء عنه وتدلّ عليه، ولو مددت أطناب الاختيار لتتبّع هذا النحو من شعره لخرجت عن غرض الكتاب.
ومن مليح العيافة والزجر ما رواه الصّولي، قال: كان لأبي نواس إخوان لا يفارقهم، فاجتمعوا يوما في موضع أخفوه عنه، ووجّهوا إليه برسول معه ظهر قرطاس أبيض، لم يكتبوا فيه شيئا، فخزموه بزير [2] ، وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم ليرمي بالكتاب من وراء الباب فلمّا رآه استعلم خبرهم، وعلم أنه من فعلهم، فتعرّف موضعهم وآثارهم، فأتاهم فأنشدهم [3] : [الوافر]
وجدت كتابكم لمّا أتاني ... يمرّ بسانح الطير الجواري
نظرت إليه مخزوما بزير ... على ظهر، ومختوما بقار
فقلت: الزّير ملهية ولهو ... وخلت القار من دنّ العقار
وخلت الظّهر أهيف قرطقيّا ... يحيل العقل منه بالحورار [4]
فهمت إليكم طربا وشوقا ... فما أخطأت داركم بدار
فكيف ترونني وترون وجدي ... ألست من الفلاسفة الكبار؟
وقال الطائي [5] : [الكامل]
أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام؟ [6]
لا تنشجنّ لها فإنّ بكاءها ... ضحك، وإن بكاءك استغرام [7]
هنّ الحمام وإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فإنهنّ حمام
وروى يموت ابن المزرع قال: كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع فلا تفارقه حتى يصلي مائة ركعة، ثم خلّه
(1) الآذيّ: الموج. القاموس المحيط (أذي) .
(2) خزمه: شكّه. الزّير: الدقيق من الأوتار. القاموس المحيط (خزم) و (زير) .
(3) ديوان أبي نواس (ص 265) في باب الخمريات، وفي الديوان بعض الاختلاف عمّا هنا.
(4) القرطقيّ: الذي يلبس القرطق وهو ضرب من رقيق اللباس. لسان العرب (قرطق) .
(5) ديوان أبي تمام (ص 247) من قصيدة في مدح المأمون.
(6) في الديوان: «تحدرت» بدل «أتضعضعت» ، وهكذا ينكسر الوزن، والصواب: «أتحدرت» .
(7) في الديوان: «تشجينّ» بدل «تنشجنّ» .