كان المأمون استثقل سهل بن هرون، فدخل عليه يوما، والناس على مراتبهم، فتكلّم المأمون بكلام ذهب فيه كلّ مذهب فلمّا فرغ من كلامه أقبل سهل بن هرون على الجمع فقال: ما لكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا تفقهون، وتفهمون ولا تتعجّبون، وتتعجّبون ولا تنصفون؟ والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير ما فعل بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمكم، وعجمكم كعبيدكم، ولكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء؟ فرجع المأمون فيه إلى الرأي الأول.
وكان أبو عمرو سهل بن هرون من أهل ميسان [1] ، نزل البصرة فنسب إليها، وهو القائل: [الكامل] يا أهل ميسان السلام عليكم ... الطيبون الفرع والجذم
أمّا الوجوه ففضّة مزجت ... ذهبا وأيد سحّة هضم [2]
أتريد كلب أن أناسبها ... قد قلّ من كلب بي العلم
أجعلت بيتا فوق رابية ... فرع النّجوم كأنه نجم
كبيت شعر وسط مجهلة ... بفنائه الجعلان والبهم
وكان سهل شعوبيا، والشعوبية فرقة تتعصّب على العرب وتنتقصها، وكان أبو عبيدة يرمى بذلك.
وسهل ظريف عالم حسن البيان، وله كتب ظريفة صنّفها معارضا للأوائل في كتبهم بما لا يستصوبه منهم، حتى قيل له: «بزر جمهر الإسلام» وقال يمدح رجلا: [الطويل] عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما
مذلّل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتي من العيش مغنما
وهذا نظير قوله في كتاب «ثعلة وعفرة» الذي عارض به كليلة ودمنة: اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدّما قبل الذي تجودون به من تفضّلكم فإن تقديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مظاهر على وهن العقيدة، وتقصير الروية، ومضرّ بالتدبير، مخلّ
(1) ميسان، بفتح الميم وسكون الياء: اسم كورة واسعة كثيرة القرى والنخل بين واسط والبصرة، قصبتها ميسان. معجم البلدان (ج 5ص 242) .
(2) الهضم: جمع هضوم. ويد هضوم: أي تجود بما لديها. القاموس المحيط (هضم) .