فهرس الكتاب

الصفحة 881 من 993

خاشع للهموم معترف القل ... ب كئيب لنائبات الزمان

قال عبد الرحمن بن أخي الأصمعي: سمعت عمّي يحدث قال [1] : أرقت ليلة من الليالي بالبادية، وكنت نازلا عند رجل من بني الصّيداء، وكان واسع الرّحل، كريم المحلّ، فأصبحت وقد عزمت على الرجوع إلى العراق، فأتيت أبا مثواي [2] ، فقلت: إني قد هلعت من الغربة، واشتقت إلى أهلي، ولم أفد في قدمتي هذه كبير علم. وإنما كنت أغتفر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة فأظهر الجفاوة حتى أبرز غداء له فتغدّيت، وأمر بناقة مهريّة [3] كأنها سبيكة لجين [فارتحلها] واكتفلها، ثم ركب وأردفني، وأقبلها مطلع الشمس فما سرنا كبير مسير حتى لقينا شيخ على حمار، له جمّة قد صبغها بالورس [4] ، كأنها قنبيطة، وهو يترنّم، فسلّم عليه صاحبي، وسأله عن نسبه فاعتزى أسديا من بني ثعلبة. قال: أتروي أم تقول؟ قال: كلّا قال: أين تؤمّ؟ فأشار إلى موضع قريب من الموضع الذي نحن فيه فأناخ الشيخ، وقال لي: خذ بيد عمّك فأنزله عن حماره، ففعلت، وألقى له كساء قد اكتفل به، ثم قال: أنشدنا، يرحمك الله، وتصدق على هذا الغريب بأبيات يبثهنّ عنك، ويذكرك بهنّ، فأنشدني له: [الطويل]

لقد طال يا سوداء منك المواعد ... ودون الجدا المأمول منك الفراقد

تمنّيننا بالوصل وعدا، وغيمكم ... ضباب، فلا صحو، ولا الغيم جائد [5]

إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت ما لك حامد

وقلّ غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد

إذا أنت لم تعرك بجنبيك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد

إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمّة ورواعد

(1) النص شعرا ونثرا في أمالي القالي (ج 1ص 173171) .

(2) أبو المثوى: الضيف، والمثوى: المنزل. محيط المحيط (ثوى) .

(3) الناقة المهريّة: المنسوبة إلى مهرة بن حيدان وهو حي من قضاعة من عرب اليمن. محيط المحيط (مهر) .

(4) الورس: نبات كالسمسم أصفر يصبغ به. محيط المحيط (ورس) .

(5) رواية صدر البيت في أمالي القالي هي:

تمنّيننا غدا وغيمكم غدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت