فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 993

وكان قلم بن المقفع يقف كثيرا، فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم في صدري، فيقف قلمي ليتخيّر.

وقالوا: الكتاب يتصفّح أكثر ممّا يتصفّح الخطاب لأنّ الكاتب متخيّر، والمخاطب مضطرّ، ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أأسرعت فيه أم أبطأت وإنما ينظر أأخطأت أم أصبت فإبطاؤك غير قادح في إصابتك، كما إن إسراعك غير مغطّ على غلطك.

ووصف بعض الكتّاب النسخ فقال: ينبغي أن يصحبها الفكر إلى استقرارها، ثم تستبرأ [1] بإعادة النظر فيها بعد اختيارها، ويوسّع بين سطورها، ثم تحرر على ثقة بصحتها، وتتأمّل بعد التحرير حرفا حرفا إلى آخرها.

فقد كتب المأمون مصحفا اجتمع عليه فكان أوله: بسم الله الرحيم، فأغفلوا الرحمن لأنّ العين لا تعتبر ذلك ثقة أنه لا يغلط فيه، حتى فطن المأمون له.

وقال محمد بن عبد الملك الزيات للحسن بن وهب: حرّر هذه النسخة وبكّر بها، فتصبّح الحسن [2] فقال له: لم تصبّحت؟ قال: حتى تصفحت!

وقال أحمد بن إسماعيل بطاحة: كان بعض العلماء الأغبياء ينظر في نسخه بعد نفوذ كتبه، فقال بعض الكتاب: [السريع]

مستلب اللّب غويّ الشباب ... عذّبه الهجر أشدّ العذاب

يؤمّل الصبر وأنّى له ... به وقد مكّن منه التّصاب

كناظر في نسخة يبتغي ... إصلاحها بعد نفوذ الكتاب

قال بعض من ولّد عقائل هذا المنثور، وألّف فواصل هذه الشذور: تجمّع قوم من أهل الصناعات، فوصفوا بلاغاتهم، من طريق صناعاتهم:

فقال الجوهري: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ووصل جوهر معانيه في سموط [3] ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة.

(1) تستبرأ: تجفّف، والمراد أن يعاود الكاتب النظر فيها ليتدارك ما فيها من أخطاء. لسان العرب (برأ) .

(2) تصبّح: تأخّر عن الحضور صباحا. لسان العرب (صبح) .

(3) السّموط: جمع سمط وهو خيط النظم. لسان العرب (سمط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت