قال الأصمعي: بلغني أنّ بعض الحكماء كان يقول: إني لأعظكم، وإني لكثير الذنوب، مسرف على نفسي، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه في طاعة الله. وقد بلوتها فلم أجد لها شكرا في الرضاء، ولا صبرا على البلوى. ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمره لترك الأمر ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان، واعلموا أنّ الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه؟ ولو تنظرون الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.
جمع عبد الملك أهله وولده فقال: يا بني أميّة، ابذلوا نداكم، وكفوا أذاكم، وأجملوا إذا طلبتم، واغفروا إذا قدرتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم فإن العفو بعد القدرة، والثناء بعد الخبرة، وخير المال ما أفاد حمدا ونفى ذمّا.
ودخل سعيد الجعفري على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أصفك بصفتك، فإن انحرف كلامي فلهيبة الإمام، واجتماع الأقوام، وتصرّف الأعوام، ولربّ جواد عثر في أرسانه [1] ، وكبا في ميدانه، ورحم الله امرأ قصّر من لفظه، وألصق الأرض بلحظه، ووعى قولي بحفظه، فخاف هشام أن يتكلّم فيقصّر عن جائزة مثله، فعزم عليه فسكت.
[بين حاتم الطائي وعبد قيس البرجميّ]
قال عبد قيس بن خفاف البرجميّ [2] لحاتم الطائي وقد وفد عليه في دماء تحمّلها وعجز عن البعض: إنه وقعت بيني وبين قومي دماد فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأملي، فقدّمت مالي، وكنت أملي، فإن تحملها فربّ حقّ قضيته، وهمّ قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك.
(1) الأرسان: جمع رسن وهو الحبل. محيط المحيط (رسن) .
(2) عبد قيس بن خفاف البرجمي: شاعر تميمي جاهلي فحل، من شعراء المفضليات. الشعر والشعراء (ص 99) ، والحيوان للجاحظ (ج 4ص 379) ، ومعجم الشعراء (ص 325) وقد ذكره المرزباني باسم (قيس) ، والأعلام (ج 4ص 49) .