فسرت غير بعيد إلى رجل قد أخذ أنواع الفواكه وصفّفها، وجمع أنواع الرّطب وصنّفها فقبضت من كل شيء أحسنه، وقرضت من كل نوع أجوده وحين جمعت حواشي الإزار، على تلك الأوزار، أخذت عيناي رجلا قد لفّ رأسه [ببرقع] حياء، ونصب جسده، وبسط يده، واحتضن عياله، وتأبّط أطفاله، وهو يقول بصوت يدفع الضعف في صدره، والحرض [1] في ظهره: [الرجز]
ويلي على كفّين من سويق ... أو شحمة تضرب بالدقيق [2]
أو قصعة تملأ من خرديق ... تفثأ عنّا سطوات الرّيق [3]
تقيمنا عن منهج الطريق ... يا رازق الثروة بعد الضيق
سهّل على كفّ فتى لبيق ... ذي حسب في مجده عريق
يهدي إلينا قدم التوفيق ... ينقذ عيشي من يد الترنيق
قال عيسى بن هشام: فأخذت من فاضل الكيس أخذة وأنلته إياها، فقال: [الرجز]
يا من حباني بجميل برّه ... أفضى إلى الله بحسن سرّه
واستحفظ الله جميل ستره ... إن كان لا طاقة لي بشكره
فالله ربّي من وراء أمره
قال عيسى بن هشام: فقلت: إنّ في الكيس فضلا، فابرز لي عن باطنك أخرج لك عن آخره، فأماط لثامه [4] ، فإذا شيخنا أبو الفتح السكندري، فقلت: ويحك! أي داهية أنت؟ فقال: [مجزوء الوافر]
نقضّي العمر تشبيها ... على الناس وتمويها
أرى الأيام لا تبقى ... على حال فأحكيها
فيوما شرّها فيّ ... ويوما شرّتي فيها [5]
وسأل البديع أبا نصر بن المرزبان عارية بعض ما يتجمّل به، فأمسك عن إجابته فأعاد الكتاب إليه بما نسخته:
(1) الحرض، بالفتح: الفساد والمرض. محيط المحيط (حرض) .
(2) السّويق: الناعم من دقيق الحنطة. محيط المحيط (سوق) .
(3) الخرديق: طعام. محيط المحيط (خردق) .
(4) أماط اللّثام: نحّاه. محيط المحيط (محيط) .
(5) الشّرّة: الشّرّ وهو نقيض الخير. محيط المحيط (شرر) .