قال عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله موادّ من الحكمة، وأضداد من خلافها فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع، وإن هاجه الطّمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسي التحفظ، وإن أتاه الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمن استلبته العزّة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن استفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضّته فاقة بلغ به البلاء، وإن جهد به الجوع قعد به الضّعف، وإن أفرط في الشبع كظّته البطنة [1] ، فكلّ تقصير مضرّ، وكلّ إفراط له قاتل.
البيت الذي أنشده الجاحظ لعبد الرحمن بن حسان في أبيات يقول فيها: [الطويل]
متى ما يرى الناس الغنيّ وجاره ... فقير يقولوا: عاجز وجليد
وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسّمت وجدود
وإن امرأ يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلّا ما جنى لسعيد
والبيت الذي أنشده بعده لمحمد بن حازم الباهلي في أبيات يقول فيها: [السريع]
إن كنت لا ترهب ذمّي لما ... تعلم من صفحي عن الجاهل
فاخش سكوتي آذنا منصتا ... فيك لمسموع خنى القائل [2]
فسامع الشرّ شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل
مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل
فلا تهج، إن كنت ذا إربة، ... حرب أخي التجربة الغافل
فإنّ ذا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خبل خابل
تبصر في عاجل شدّاته ... عليك غبّ الضّرر الآجل
وفي ابن الزيات يقول الجاحظ: [المتقارب]
بدا حين أثرى لإخوانه ... ففلّل منهم شباة العدم
وأبصر كيف انتقال الزمان ... فبادر بالعرف قبل النّدم
(1) كضّه الطعام: ملأه حتى لا يطيق النّفس. البطنة: الكضّة. القاموس المحيط (كضض) و (بطن) .
(2) الخنى: الفحش في الكلام. محيط المحيط (خنى) .