ومن مليح شعره في الشيب: [الطويل]
ومن نكد الدنيا إذا ما تنكّرت ... أمور وإن عدّت صغارا عظائم
إذا رمت بالمنقاش نتف أشاهبي ... أتيح له من بينهنّ الأداهم
يروّع منقاشي نجوم مسائحي ... وهنّ لعيني طالعات نواجم
وقال أبو الفتح كشاجم: [الطويل]
أخي، قم فعاونّي على نتف شيبة ... فإني منها في عذاب وفي حرب
إذا ما مضى المنقاش يأتي بها أتت ... وقد أخذت من دونها جارة الجنب
كجان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلّق بالجيران من شدّة الرّعب
وقد وشّحت هذا الكتاب بقطع مختارة في الشيب والشباب، وجئت ههنا بجملة، وهذا النوغ أعظم من أن نحيط به اختيارا، أو نبلغه اختبارا.
ذوى غصن شبابه. بدت في رأسه طلائع المشيب، [أخذ الشيب بعنان شبابه] ، غزاه الشّيب بجيوشه، طرّز الشيب شبابه، أقمر ليل شبابه، ألجمه بلجامه، وقاده بزمامه، علاه غبار وقائع الدهر. وزن هذا لابن المعتز: [الكامل]
هذا غبار وقائع الدهر
بينا هو راقد في ليل الشباب، أيقظه صبح المشيب. طوى مراحل الشباب، وأنفق عمره بغير حساب. جاوز من الشباب مراحل، وورد من الشّيب مناهل. فلّ الدهر شبا شبابه، ومحا محاسن روائه [1] . قضى باكورة الشباب، وأنفق نضارة الزمان. أخلق بردة الصّبا، ونهاه النهي عن الهوى. طار غراب شبابه. انتهى شبابه، وشاب أترابه. استبدل بالأدهم الأبلق [2] ، وبالغراب العقعق [3] . انتهى إلى أشدّ الكهل، واستعاض من حلك الغراب بقادمة النّسر. افترّ عن ناب القارح، وقرع ناجذ الحلم، وارتاض بلجام الدّهر، وأدرك عصر الحنكة وأوان المسكة. جمع قوّة الشباب إلى وقار المشيب. أسفر صبح
(1) الرّواء: المنظر. محيط المحيط (رأى) .
(2) الأدهم: الأسود. الأبلق: الذي لونه البلقة وهي سواد وبياض. محيط المحيط (دهم) و (بلق) .
(3) العقعق: طائر على قدر الحمامة وهو على شكل الغراب، وهو ذو لونين أبيض وأسود. محيط المحيط (عقق) .