الخلفاء الراشدين، قدمتها أمام كلّ كلام، لتقدمهم على الخلق، وأخذهم بقصب السّبق، وهم كما قال بعض المتكلّمين يصف قوما من الزهّاد الواعظين، جلوا بكلامهم الأبصار العليلة، وشحذوا بمواعظهم الأذهان الكليلة، ونبّهوا القلوب من رقدتها، ونقلوها عن سوء عادتها، فشفوا من داء القسوة، وغباوة الغفلة، وداووا من العيّ الفاضح، ونهجوا لنا الطريق الواضح. وآثرت أن ألحق بعد ذلك جملة من سليم كلام سائر الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم أجمعين، وأدرج في درج كلامهم وأثناء نثرهم ونظمهم، ما التفّ عليه والتفّت إليه، وتعلّق بأغصانه، وتشبّث بأفنانه، كما تقدّم، وأخرج إلى صفات البلاغات، وآخذ بعد ذلك في نظم عقود الآداب، ورقم برود الألباب: [البسيط]
من كل معنى يكاد الميت يفهمه ... حسنا ويعبده القرطاس والقلم
قال معاوية بن أبي سفيان رحمه الله: أفضل ما أعطي الرجل العقل والحلم فإذا ذكّر ذكر، وإذا أساء استغفر، وإذا وعد أنجز.
وصف معاوية الوليد بن عتبة [1] فقال: إنه لبعيد الغور، ساكن الفور [2] ، وإن العود من لحائه [3] ، والولد من آبائه، والله إنه لنبات أصل لا يخلف، ونجل فحل لا يقرف [4] .
ومرض معاوية مرضا شديدا فأرجف [5] به مصقلة بن هبيرة [6] وساعده قوم على ذلك، ثم تماثل وهم في إرجافهم، فحمل زياد مصقلة إلى معاوية وكتب إليه: «إنه يجمع مرّاقا [7] من مرّاق العراق فيرجفون بأمير المؤمنين، وقد حملته إليه ليرى رأيه فيه» .
(1) الوليد بن عتبة: أمير من رجالات بني أمية فصاحة وحلما وكرما. ولي المدينة سنة 57هـ في أيام معاوية، وتوفي سنة 64هـ. الكامل في التاريخ (ج 3ص 514) و (ج 4ص 174) والعقد (ج 4 ص 23) والأعلام (ج 8ص 121) .
(2) الغور: القعر من كل شيء، وبعد الغور: كناية عن أصالة الرأي وعمق التفكير. الفور: الغضب، وسكون الفور كناية عن الحلم. لسان العرب (غور) و (فور) .
(3) لحاء العود: قشره. لسان العرب (لحا) .
(4) يقرف: من القراف وهو داء يقتل البعير. يقول: إنه قوي متين لا يصيبه الداء. لسان العرب (قرف) .
(5) أرجف: خاض في أخبار الفتن. لسان العرب (رجف) .
(6) مصقلة بن هبيرة: قائد من الولاة، كان من رجال الإمام علي بن أبي طالب، عليه الصلاة والسلام، توفي نحو 50هـ، الأعلام (ج 7ص 249) ومصادر حاشيته.
(7) المرّاق: جمع مارق وهو الخارج عن الجماعة. لسان العرب (مرق) .