ولسهام المنيّة إلّا غرض. شاهدت نفسي وهي تخرج، ولقيت روحي وهي تعرج، وعرفت كيف تكون السّكرة، وكيف تقع الغمرة، وكيف طعم البعد والفراق، وكيف تلتفّ الساق بالساق. مرض لحقتني روعته، وملكتني لوعته. وجدت في نفسي ألما أوحشه آنسه، وآنسه أوحشه. بلغني من شكايته ما أوحش جناب الأنس، وأراني الظّلمة في مطلع الشمس. قد بلغني ما عرض لك من المرض، وألمّ بك من الألم فتحامل على سوداء صدري، وأقذى سواد طرفي، وقد استنفد القلق لعلّتك ما أعدّه الصبر من ذخيرة، وأضعف ما قوّاه العزم من بصيرة. قلبي يتقلّب على حدّ السيف إلى أن أعرف انكشاف العارض وزياله، وأتحقّق انحساره وانتقاله. أنهى إليّ من الخبر العارض، حسم الله مادّته، وقصّر مدّته، ما أراني الأفق مظلما، والعيش مبهما.
إنّ الذي بلغني من ضعفه قد أضعف المنّة، وإن لم يضعف الظنّ بالله والثّقة. قد استشفّ العافية من ثوب رقيق. ما أكثر ما رأينا هذه العلل حلّت ثم تجلّت وتوالت ثم تولّت. خبّرني فلان بعلّتك فأشركني فيها ألما وقلقا، فلا أعلّ الله لك جسما ولا حالا، فليست نكاية الشغل في قلبي بأقلّ من نكاية الشكاية في جسمك، ولا استيلاء القلق على نفسي بأيسر من اعتراض السّقم لبدنك، ومن ذا الذي يصحّ جسمه إذا تألّمت إحدى يديه، ومن يحل محلّها في القرب إليه؟ أنا منزعج لشكاتك، مبتهج بمعافاتك، إن كانت علّتك قد قرحت وجرحت، فإنّ صحتك قد آست [1] وآنست. بلغتني شكاتك فارتعت، ثم عرفت خفّتها فارتحت. الحمد لله على قرب المدة بين المحنة والمنحة، والنقمة والنعمة، وعلى أنّا لم نتهالك بأيدي المخافة حتى تدارك بحسن الرأفة، ولم نستسلم لخطّة الحذر حتى سلم من ورطة القدر.
شكاته التي تتألّم منها المروءة والفضل. ويسقم منها الكرم المحض. شكاته التي غصّت بها حلوق المجد، وحرجت [2] لها صدور أهل الأدب والعلم، وبدا الشحوب معها على وجه الحرية، وحرم معها البشر على غرّة المروءة. قد اعتلّ بعلّته الكرم، وشكا
(1) آست: نقهت. لسان العرب (أسا) .
(2) حرجت لها الصدور: ضاقت. لسان العرب (حرج) .