فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 993

قيل لعمرو بن عبيد [1] : ما البلاغة؟ قال: ما بلّغك الجنّة، وعدل بك عن النار، وبصّرك مواقع رشدك، وعواقب غيّك. قال السائل: ليس هذا أريد، قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول، قال: ليس هذا أريد، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «إنّا معشر الأنبياء فينا بكء» أي قلّة كلام وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله، قال السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام ما لا يخافون من فتنة السكوت، وسقطات الصّمت، قال: ليس هذا أريد، قال عمرو: يا هذا، فكأنك تريد تحبير اللفظ [2] في حسن الإفهام، قال: نعم، قال: إنّك إن أردت تقرير حجّة الله عزّ وجلّ في عقول المكلّفين، وتخفيف المؤونة عن المستمعين، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة في الأذهان، رغبة في سرعة إجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة كنت قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، واستوجبت من الله جزيل الثواب، فقيل لعبد الكريم بن روح الغفاري: من هذا الّذي صبر له عمرو هذا الصبر؟ قال: سألت عن ذلك أبا حفص الشمري، فقال: ومن يجترىء عليه هذه الجرأة إلّا حفص بن سالم؟

وعمرو بن عبيد بن باب هو رئيس المعتزلة في وقته، وهو أوّل من تكلّم على المخلوق، واعتزل مجلس الحسن البصري، وهو أول المعتزلة.

ودخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور، فقال: عظني، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر لو كان باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك، ألم تر كيف فعل ربّك بعاد إرم ذات العماد؟ قال: فبكى المنصور حتى بلّ ثوبه. ثم قال: حاجتك يا أبا عثمان! وكان المنصور لمّا دخل عليه طرح عليه طيلسانا، فقال: يرفع هذا الطيلسان عني! فرفع، فقال أبو جعفر:

لا تدع إتياننا! قال: نعم، لا يضمّني وإياك بلد إلّا دخلت إليك، ولا بدت لي حاجة إلّا سألتك، ولكن لا تعطني حتى أسألك، ولا تدعني حتى آتيك، قال: إذا لا تأتينا أبدا.

(1) عمرو بن عبيد: متكلم زاهد مشهور، وشيخ المعتزلة في عصره. توفي سنة 144هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 3ص 460) وتاريخ بغداد (ج 12ص 166) والبداية والنهاية (ج 10ص 78) والعبر للذهبي (ج 1ص 193) ومروج الذهب (ج 3ص 302) وشذرات الذهب (ج 1ص 210) والأعلام (ج 5ص 81) .

(2) تحبير اللفظ: تحسينه. لسان العرب (حبر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت