فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 993

ولمّا افتتح المهلب خراسان، ونفى الخوارج عنها، وتفرّقت الأزارقة، كتب الحجاج إليه أن اكتب لي بخبر الوقيعة، واشرح لي القصة حتى كأني شاهدها فبعث إليه المهلب كعب بن معدان الأشعريّ، فأنشده قصيدة فيها ستون بيتا تقتصّ خبرهم لا يخرم منه شيئا فقال له الحجاج: أخطيب أم شاعر؟ قال له: كلاهما، أعزّ الله الأمير! قال:

أخبرني عن بني المهلب، فقال له: المغيرة سيدهم، وكفاك بيزيد فارسا، وما لقي الأبطال مثل حبيب، وما يستحي شجاع أن يفرّ من مدرك، وعبد الملك موت [ذعاف وسمّ] ناقع، وحسبك بالمفضّل في النّجدة، واستجهز قبيصه، ومحمد ليث غاب، فقال الحجاج: ما أراك فضلت عليهم واحدا منهم فأخبرني عن جملتهم ومن أفضلهم؟ فقال:

هم أعزّ الله الأمير! كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال: إنّ خبر حربكم كان يبلغني عظيما، أفكذلك كان؟ قال: نعم أيها الأمير، والسماع دون العيان. قال: أخبرني كيف رضا المهلّب عن جنده ورضا جنده عنه؟ قال: أعزّ الله الأمير، له عليهم شفقة الوالد، ولهم به برّ الولد. قال: أخبرني كيف فاتكم قطري؟ قال: كدناه في منزله فتحوّل عنه، وتوهّم أنه كادنا بذلك، قال: فهلا اتبعتموه؟ قال: الكلب إذا أجحر عقر، قال:

المهلب كان أعلم بك حيث أرسلك.

وقد روي أنّ المهلب لما فرغ من قتل عبد ربه الحروري دعا بشر بن مالك فأنفذه بالبشارة إلى الحجّاج، فلمّا دخل إلى الحجاج قال: ما اسمك؟ قال: بشر بن مالك، فقال الحجّاج: بشارة وملك! وكيف خلّفت المهلب؟ قال: خلفته وقد أمن ما خاف، وأدرك ما طلب، قال: كيف كانت حالكم مع عدوكم؟ قال: كانت البداءة لهم، والعاقبة لنا، قال الحجاج: العاقبة للمتقين، ثم قال: فما حال الجند؟ قال: وسعهم الحقّ، وأغناهم النّفل [1] ، وإنهم لمع رجل يسوسهم سياسة الملوك، ويقاتل بهم قتال الصعلوك، فلهم منه برّ الوالد، وله منهم طاعة الولد، قال: فما حال ولد المهلب؟ قال: رعاة البيات حتى يؤمنوه، وحماة السّرح حتى يردوه، قال: فأيهم أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم، قال: وأنت أيضا، فإني أرى لك لسانا وعبارة، قال: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال:

ويحك! أكنت أعددت لهذا المقام هذا المقال؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله.

(1) النّفل، بالفتح: الغنيمة. محيط المحيط (نفل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت