الشّكر في العرب شادخ الغرّة، بادي الأوضاح. فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريرا، ولا أخّرتك تقصيرا، ولكن الأشغال تقطعني، وتأخذ بأوفر الحظّ مني، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية، ومنتهى الوسع بأوفر مأمول، وأحمد عاقبة، وأقرب أمد، إن شاء الله تعالى.
فقال الأعرابي: يا جلساء الصّدق، قد أحصرني التطول، فهل من معين منجد ومساعد منشد؟ فقال بعض أحداث الكتاب لأبي عبيد الله: والله أصلحك الله لقد قصدك، وما قصدك حتى أمّلك، وما أمّلك إلا بعد أن أجال النظر، فأمن الخطر، وأيقن بالظّفر، فحقّق له أمله بتهيئة القليل، وتهنئة التعجيل. قال الشاعر: [الطويل]
إذا ما اجتلاه المجد عن وعد آمل ... تبلّج عن بشر ليستكمل البشرا
ولم يثنه مطل العداة عن التي ... تصون له الحمد الموفّر والأجرا
فأحضر أبو عبيد الله للأعرابي عشرة آلاف درهم، وقال الأعرابي للفتى: خذها فأنت سببها. فقال: شكرك أحبّ إليّ منها، فقال له أبو عبيد الله: خذها، فقد أمرنا له بمثلها. فقال الأعرابي: الآن كملت النعمة، وتمّت المنّة.
وكان أبو عبيد الله واسع الذّرع، سابغ الدرع في الكرم والبلاغة، واسمه معاوية بن يسار.
وكان يقول: إنّ نخوة الشرف تناسب بطر الغنى، والصبر على حقوق الثّروة أشدّ من الصّبر على ألم الحاجة، وذلّ الفقر يسعى على عزّ الصبر، وجور الولاية مانع من عدل الإنصاف، إلّا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطان عزمه قوة على شهوته.
وكان يقول: لا يسكر رأس صناعة إلّا في أخسّ رتّان، وأرذل سلطان، ولا يعيب العلم إلّا من انسلخ عنه، وخرج منه.
وكان يقول: حسن البشر علم من أعلام [النجاج] ورائد من [روّاد الفلاح] ، وما أحسن ما قال زهير [1] : [الطويل]
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وقال له المهديّ بعد أن قتل ابنه على الزندقة: لا يمعنك ما سبق [به] القضاء في ولدك، من [ثلج صدرك] وتقديم نصحك فإني لا أعرض لك رأيا على تهمة، ولا أؤخر
(1) ديوان زهير بن أبي سلمى (ص 68) .