هل يستطيع أحد أن ينسب هذا أو شيئا منه إلى السّرق والاحتذاء؟ وهل يستطيع مماثلته بشيء من شعر البحتري، أو أشعار المحدثين في عصره ومن قبله؟ فعيّ عن الجواب قصورا، وأحجم عن المساجلة تقصيرا، وحكمت الجماعة لي بالقهر، وعليه بالنصر، ولم ينصرف عن المجلس حتى اعترف بتقديم أبي تمام في صنعة البديع واختراع المعاني على جميع المحدثين. وكان يوما مشهودا.
وقال ثمامة بن أشرس: كنت عند المأمون يوما، فاستأذن الغلام لعمير المأموني فكرهت ذلك، ورأى المأمون الكراهية في وجهي، فقال: يا ثمامة، ما بك؟ فقلت:
يا أمير المؤمنين، إذا غنّانا عمير ذكرت مواطن الإبل، وكثبان الرمل، وإذا غنّتنا فلانة انبسط أملي، وقوي جذلي، وانشرح صدري، وذكرت الجنان والولدان، كم بين أن تغنيك جارية غادة كأنها غصن بان، ترنو بمقلة وسنان، كأنما خلقت من ياقوتة، أو خرطت من فضة، بشعر عكاشة العميّ حيث يقول: [الكامل]
من كفّ جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرّفت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... تلقى على الكفّ الشمال حسابا
وبين أن يغنيك رجل كثّ اللحية، غليظ الأصابع، خشن الكف، بشعر ورقاء بن زهير حيث يقول: [الطويل]
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادره [1]
وكم بين أن يحضرك من تشتهي النظر إليه، وبين من لا يقف طرفك عليه؟ فتبسّم المأمون، وقال: الفرق بينهما واضح، والمنهج فسيح يا غلام، لا تأذن له، وأحضر أطيب قيناته، فظللنا في أمتع يوم.
وعكاشة هذا هو عكاشة بن عبد الصمد البصري، نقيّ الديباجة، ظريف الشعر، وكان شاعرا مجيدا. وقد أخذ معنى قوله أبو العباس الناشىء، وزاد فيه، فقال: [الكامل]
وإذا بصرت بكفّها اليسرى حكت ... يد حاسب تلقي عليك صنوفا
فكأنما المضراب في أوتاره ... قلم يمجمج في الكتاب حروفا
ويجسّه إبهامها فكأنما ... في النّقر تنفي بهرجا وزيوفا
أخذ هذا البيت من قول أبي شجرة السلمي وذكر ناقته: [البسيط]
(1) العجول: الثكلى، والواله من النساء والإبل. لسان العرب (عجل) .