حمل محمد بن عبيد الله بن خاقان أبا العيناء على دابّة زعم أنها غير فاره [1] ، فكتب إليه: أعلم الوزير، أعزّه الله، أن أبا علي محمدا أراد أن يبرّني فعقّني، وأن يركبني فأرجلني، أمر لي بدابّة تقف للنّبرة [2] ، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفا [3]
وكالعاشق المهجور دنفا [4] ، قد أذكرت الرواة عذرة العذريّ، والمجنون العامري، مساعد أعلاه لأسفله، حباقه [5] مقرون بسعاله، فلو أمسك لترجيت، ولو أفرد لتعزّيت، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النّسوان، وتتناغى من أجله الصّبيان فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل يقول: نوّله الشعير، قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق لروى بحقّ وصدق، عن جابر الجعفيّ، وعامر الشّعبي وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر فإن رأى الوزير أن يبدّلني به، ويريحني منه بمركوب يضحكني كما ضحّك مني، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطّره العيب بقبحه ودمامته ولست أذكر أمر سرجه ولجامه فإن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه، أو ينقض ما يمضيه.
فوجّه عبيد الله إليه برذونا [6] من براذينه بسرجه ولجامه، ثم اجتمع مع محمد ابن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابّة محمد، وقد أخبرني الآن أنه يشتريه منك بمائة دينار، وما هذا ثمنه لا يشتكى.
فقال: أعزّ الله الوزير، لو لم أكذب مستزيدا، لم انصرف مستفيدا، وإني وإيّاه لكما قالت امرأة العزيز: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ، أَنَا رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصََّادِقِينَ} [7] .
فضحك عبيد الله، وقال: حجّتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من حجّة غيرك البالغة.
(1) الفاره: الفتيّة. القاموس المحيط (فره) .
(2) النّبرة: صيحة الفزع. القاموس المحيط (نبر) .
(3) العجف: ذهاب السّمن. القاموس المحيط (عجف) .
(4) الدّنف بالفتح: المرض الملازم. القاموس المحيط (دنف) .
(5) الحباق، بزنة الغراب: الضّراط. القاموس المحيط (حبق) .
(6) البرذون: الدابة. القاموس المحيط (برذن) .
(7) سورة يوسف 12، الآية 51.