تصبّرت مغلوبا وإني لموجع ... كما صبر الظمآن في البلد القفر
وقال: [الوافر]
عتبت عليك في قطع العتاب ... فما عطفتك ألسنة العتاب
وفيما صرت تظهر لي دليل ... على عتب الضمير المستراب
وما خطرت دواعي الشوق إلّا ... هززت إليك أجنحة التصابي
وقال أيضا: [الطويل]
ضحكت ولو تدرين ما بي من الهوى ... بكيت لمحزون الفؤاد كئيب
لمن لم ترح عيناه من فيض عبرة ... ولا قلبه من زفرة ونحيب
لمستأنس بالهمّ في دار وحشة ... غريب الهوى باك لكلّ غريب
ألا بأبي العيش الذي بان فانقضى ... وما كان من حسن هناك وطيب
ليالي يدعونا الصّبا فنجيبه ... ونأخذ من لذّاته بنصيب
نردّد مستور الأحاديث بيننا ... على غفلة من كاشح ورقيب
إلى أن جرى صرف الحوادث في الهوى ... فبدّل منها مشهد بمغيب
وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، صنت الكتاب عن ذكره.
دعا الرشيد بعبد الملك بن صالح وكان معتقلا في حبسه فلمّا مثل بين يديه التفت إليه، وكان يحدّث يحيى بن خالد بن برمك وزيره، فقال متمثّلا: [الوافر]
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد [1]
ثم قال: يا عبد الملك، كأني أنظر إلى شؤبوبها [2] قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أورى [3] ، بل أدمى، فأبرز عن براجم [4] بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم [5] ، فمهلا بني هاشم، فبي والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فنذار لكم نذرا قبل حلول داهية خبوط باليد والرجل، فقال
(1) عذيرك: أي اطلب من يعذرك. لسان العرب (عذر) .
(2) الشّؤبوب: الدفعة من المطر. لسان العرب (شأب) .
(3) يقال: أورى الزند: قدحه فأخرج نارا. لسان العرب (ورى) .
(4) البراجم: جمع برجمة وهي الأصبع، والمراد الأيدي. لسان العرب (برجم) .
(5) الغلاصم: جمع غلصمة وهي اللسان. لسان العرب (غلصم) .