لا زلت أيها الملك محبوّا من الله تعالى بعزّ النصر، ودرك الأمل، ودوام العافية، وتمام النّعمة، وحسن المزيد، ولا زلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك الذّمامات [1]
حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، وتصل إلى دار القرار التي أعدّها الله تعالى لنظرائك من أهل الزّلفى عنده والمكانة منه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر، زائدين زيادة النجوم والأنهار، حتى تستوي أقطار الأرض كلّها في علوّ قدرك عليها، ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمّنا عموم ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتّصل بأنفسنا اتصال النسيم فأصبحت قد جمع الله بك الأيدي بعد افتراقها، وألّف القلوب بعد توقّد نيرانها، ففضلك الذي لا يدرك بوصف، ولا يحدّ بنعت.
فقال أردشير: طوبى للممدوح إذا كان للمدح مستحقّا، وللداعي إذا كان للإجابة أهلا.
وقيل لأردشير: أيّها الملك الرفيع الذي حلب العصور، وجرّب الدّهور، أي الكنوز أعظم قدرا؟ قال: العلم الذي خفّ محمله، فثقلت مفارقته، وكثرت مرافقته، وخفي مكانه، فأمن من السّرق عليه فهو في الملأ جمال، وفي الوحدة أنيس، يرأس به الخسيس، ولا يمكن حاسدك عليه انتقاله عنك. قيل له: فالمال؟ قال: ليس كذلك.
محمله ثقيل، والهمّ به طويل إن كنت في ملأ شغلك الفكر فيه، وإن كنت في خلوة أتعبتك حراسته.
قال الجاحظ: حدّثني الفضل بن سهل قال: كانت رسل الملوك إذا جاءت بالهدايا يجعل اختلافهم إليّ، فتكون المؤامرات فيما معهم من ديواني، فكنت أسأل رجلا رجلا منهم عن سير ملوكهم، وأخبار عظمائهم، فسألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم، فقال: بذل عرفه، وجرّد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا ينظر جنده، ولا يحرج رعيّته سهل النّوال، حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان في يده.
قلت: فكيف حكمه؟ فقال: يردّ الظّلم، ويردع الظالم، ويعطي كل ذي حقّ حقه فالرعية اثنان: راض، ومغتبط.
قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: يتصوّر في القلوب، فتغضي له العيون.
(1) الذّمامات: جمع ذمام وهو العهد ونحوه. لسان العرب (ذمم) .