وإني وإياها لكالخمر، والفتى ... متى يستطع منها الزيادة يزدد
إذا ازددت منها زاد وجدي بقربها ... فكيف احتراسي من هوى متجدّد؟
وكتب إلى أبي الحسن عبيد الله بن يحيى: وإن أمير المؤمنين لمّا استخلصك لنفسه، وائتمنك على رعيّته فنطق بلسانك، وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليطه الحقّ على الهوى فيك، وبعد أن مثّل بينك وبين الذين سموا لمرتبتك، وجروا إلى غايتك، فأسقطهم مضاؤك، وخفّوا في ميزانك، ولم يزدك أكرمك الله رفعة وتشريفا إلّا ازددت له هيبة وتعظيما، ولا تسليطا وتمكينا، إلّا زدت نفسك عن الدنيا عزوفا وتنزيها، ولا تقريبا واختصاصا، إلّا ازددت بالعامة رأفة وعليها حدبا، لا يخرجك فرط النصح له عن النظر لرعيّته، ولا إيثار حقّه عن
الأخذ بحقّها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمين ما هو عليه، ولا يشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقّد صغارها، ولا الجدّ في صلاح ما يصلح منها عن النظر في عواقبها تمضي ما كان الرّشد في إمضائه، وترجىء ما كان الحزم في إرجائه، وتبذل ما كان الفضل في بذله، وتمنع ما كانت المصلحة في منعه، وتلين في غير تكبّر، وتخصّ في خير ميل، وتعمّ في غير تصنّع، لا يشقى بك المحقّ وإن كان عدوّا، ولا يسعد بك المبطل وإن كان وليّا فالسلطان يعتدّ لك من الغناء والكفاية، والذّبّ والحياطة، والنّصح والأمانة، والعفّة والنزاهة، والنصب فيما أدّى إلى الراحة، بما يراك معه حيث انتهى إحسانه إليك مستوجبا للزيادة، وكافة الرعية إلّا من غمط منهم النّعمة مثنون عليك بحسن السيرة، ويمن النقيبة، ويعدّون من مآثرك أنك لم تدحض لأحد حجّة ولم تدفع حقّا لشبهة وهذا يسير من كثير، لو قصدنا لتفصيله، لأنفدنا الزمان قبل تحصيله، ثم كان قصدنا الوقوف دون الغاية منه.
وله إلى عبيد الله بن يحيى: يقطعني عن الأخذ بحظّي من لقائك، وتعريفك ما أنا عليه عن شكر إنعامك، وإفرادي إياك بالتأميل دون غيرك، تخلّفي عن منزلة الخاصّة، ورغبتي عن الحلول محلّ العامة، وأني لست معتادا للخدمة ولا الملازمة، ولا قويّا على المغاداة والمراوحة فلا يمنعك ارتفاع قدرك، وعلوّ أمرك، وما تعانيه من جلائل الأحوال الشاغلة، من أن تتطوّل بتجديد ذكري، والإصغاء إلى من يحضّك على وصلي وبرّي، ويرغبك في إسداء حسن الصنيعة عندي.
وله إليه آخر فصل من كتاب: وأنا أسأل الله الذي رحم العباد بك، على حين افتقار منهم إليك، أن يعيذهم من فقدك، ولا يعيدهم إلى المكاره التي استنقذتهم منها بيدك.
ولقي رجل رجلا خارجا من مصر يريد المغرب، فقال: يا أخي، أتتّبع القطر، وتدع مجرى السيول؟ فقال: أخرجني من مصر حقّ مضاع، وشحّ مطاع، وإقتار الكريم، وحركة اللئيم، وتغيّر الصديق، بين السعة والضّيق، والهرب إلى النّزر بالعزّ، خير من طلب الوفر بذلّ العجز.
وأوصى بعض الحكماء صديقا له، وقد أراد سفرا، فقال: إنك تدخل بلدا لا يعرفك أهله، فتمسّك بوصيتي تنفق بها فيه عليك بحسن الشمائل فإنها تدلّ على الحرية، ونقاء الأطراف فإنها تشهد بالملوكية ونظافة البزّة فإنها تنبىء عن النّشء في النّعمة وطيب
الرائحة فإنها تظهر المروءة، والأدب الجميل فإنه يكسب المحبة، وليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك، ولباسك دون قدرك، والزم الحياء والأنفة فإنك إن استحييت من الغضاضة (1) اجتنبت الخساسة، وإن أنفت عن الغلبة، لم يتقدمك نظير في مرتبة.