فهرس الكتاب

الصفحة 972 من 993

على تلك الصورة، إلى انتهاء السورة، وقد قنطت من القافلة، ويئست من الراحلة، ثم حنى قوسه للركوع، بنوع من الخشوع، وضرب من الخضوع، لم أعهده قبل ذلك، ثم رفع رأسه ويده، وقال: سمع الله لمن حمده، وقام، حتى ما شككت أنه نام، ثم أكبّ لوجهه، فرفعت رأسي أنتهز فرصة، فلم أر بين الصفوف فرجة، فعدت للسجود، حتى كبّر للقعود، وقام للركعة الثانية، وقرأ الفاتحة والقارعة، قراءة استوفى فيها عمر الساعة، واسترقّ أرواح الجماعة، فلمّا فرغ من ركعتيه، مال للتحية بأخدعيه [1] ، فقلت: قد قرب الفرج، وآن المخرج، فقام رجل فقال: من كان منكم يحبّ الصحابة والجماعة، فليعرني سمعه ساعة.

قال عيسى بن هشام: فلزمت أرضي، صيانة لعرضي، فقال: حقيق عليّ ألّا أقول على الله إلّا الحق، قد جئتكم ببشارة من نبيّكم، لكني لا أودّيها حتى يطهّر الله هذا المسجد من نذل جحد نبوّته، وعادى أمّته.

قال عيسى بن هشام: فربطني بالقيود، وشدّني بالحبال السّود، ثم قال: رأيته، صلى الله عليه وسلم، [في المنام] كالشمس تحت الغمام، والبدر ليلة التّمام، يسير والنجم يتبعه، ويسحب الذّيل والملائكة ترفعه، ثم علّمني دعاء، وأوصاني أن أعلّم ذلك أمّته، وقد كتبته في هذه الأوراق بخلوق [2] ومسك، وزعفران وسكّ [3] فمن استوهبه مني وهبته، ومن أعطى ثمن القرطاس أخذته.

قال عيسى بن هشام: فانثالت عليه الدراهم، حتى حيّرته ونظرت فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندري، فقلت: كيف اهتديت إلى هذه الحيلة؟ ومتى اندرجت في هذه القبيلة؟ فأنشأ يقول: [المجتث]

الناس حمر فجوّز ... وابرز عليهم وبرّز

حتى إذا نلت منهم ... ما تشتهيه ففروز [4]

[جارية تبذّ كبار الشعراء]

وصفت لعبد الملك بن مروان جارية لرجل من الأنصار ذات أدب وجمال، فساومه في ابتياعها، فامتنع وامتنعت، وقالت: لا أحتاج للخلافة ولا أرغب في الخليفة، والذي

(1) الأخدعان: عرقان في صفحتي العنق. محيط المحيط (خدع) .

(2) الخلوق: ضرب من الطيب. محيط المحيط (خلق) .

(3) السّكّ: طيب يتّخذ من الرامك ويعرف عند الأطباء بسكّ المسك. محيط المحيط (سكك) .

(4) فروز الرجل: مات. لسان العرب (فرز) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت