ودخل إلى عبيد الله بن سليمان، فشكا إليه حاله، فقال: أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر؟ فقال: كتبت إلى رجل قد قصّر من همّته طول الفقر، وذلّ الأسر، ومعاناة محن الدّهر، فأخفقته في طلبتي! قال: أنت اخترته؟ قال: وما عليّ أعزّ الله
الوزير! في ذلك؟ قد اختار موسى قومه سبعين رجلا، فما كان منهم رشيد، واختار النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ابن أبي سرح كاتبا، فرجع إلى المشركين مرتدّا، واختار عليّ بن أبي طالب أبا موسى حاكما فحكم عليه!
وكان إبراهيم بن المدبر أسره صاحب الزّنج بالبصرة وحبسه فاحتال حتى نقب السّجن وهرب، فلذلك ذكر أبو العيناء ذلّ الأسر، وكان قد ضرب في وجهه ضربة بقي أثرها إلى أن مات ولذلك قال البحتري [1] : [الكامل]
ومبينة شهر المنازل وسمها ... والخيل تكبو في العجاج الكابي
كانت بوجهك دون عرضك إذ رأوا ... أنّ الوجوه تصان بالأحساب
ولئن أسرت فما الإسار على امرىء ... نصر الإسار على الفرار بعاب [2]
نام المضلّل عن سراك ولم تخف ... عين الرقيب وقسوة البوّاب [3]
فركبتها هولا متى تخبر بها ... يقل الجبان: أتيت غير صواب
ما راعهم إلّا استراقك مصلتا ... في مثل برد الأرقم المنساب [4]
تحمي أغيلمة وطائشة الخطى ... تصل التّلفّت خشية الطّلّاب
قد كان يوم ندى بطولك باهرا ... حتى أضفت إليه يوم ضراب [5]
ذكر من البأس استعذت إلى الّذي ... أعطيت في الأخلاق والآداب [6]
ووحيدة أنت انفردت بفضلها ... لولاك ما كتبت على الكتّاب [7]
قال أبو بكر الصولي: حدّثني محمد بن أبي الأزهر، وقد ذاكرته خبر علي صاحب الزنج، قال: ادّعى أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي ابن الحسين بن
(1) ديوان البحتري (ج 1ص 212211) .
(2) العاب: العيب. القاموس المحيط (عيب) .
(3) في الديوان: «ولم يخف سنة الرقيب ونشوة البوّاب» .
(4) في الديوان: «إلّا امتراقك مصلتا عن مثل برد» . والمصلت: السيف الصقيل الماضي.
والأرقم: أخبث الحيّات. القاموس المحيط (صلت) و (رقم) .
(5) في الديوان: «راهن» بدل «باهرا» . والضّراب: الطعان. لسان العرب (ضرب) .
(6) في الديوان: «استعرت» بدل استعذت».
(7) رواية صدر البيت في الديوان هي: وفريضة أنت استننت بديئها.