ولسعيد بن حميد حلاوة في منظومه ومنثوره، لكنه قليل الاختراع، كثير الإغارة على من سبقه وكان يقال: لو رجع كلام كل أحد إلى صاحبه لبقي سعيد بن حميد ساكتا.
وفيه يقول أبو علي البصير [1] : [الخفيف]
رأس من يدّعي البلاغة منّي ... ومن الناس، كلّهم في حر أمّه [2]
وأخونا ولست أكنى سعيد ب ... ن حميد تؤرخ الكتب باسمه
هذا المعنى ينظر إلى قول منصور الفقيه وإن لم يكن منه: [الطويل]
تضيق به الدنيا فينهض هاربا ... إذا نحن قلنا: خيرنا الباذل السّمح
فإن قيل: من هذا الشقيّ؟ أقل لهم ... على شرط كتمان الحديث: هو الفتح
وكان سعيد يهوى فضل الشاعرة [3] فعزم مرة على سفر، فقالت له: [البسيط]
كذبتني الودّ أن صافحت مرتحلا ... كفّ الفراق بكفّ الصبر والجلد
لا تذكرنّ الهوى والشوق لو فجعت ... بالشوق نفسك لم تصبر على البعد
وكان سعيد عند بعض إخوانه، فنهض منصرفا وأخذ بعضادتي الباب، وأنشأ يقول [4] : [الطويل]
سلام عليكم، حالت الكأس بيننا ... وولّت بنا عن كل مرأى ومسمع [5]
فلم يبق إلّا أن يصافحني الكرى ... فيجمع سكرا بين جسمي ومضجعي [6]
وقال [سعيد] : [الطويل]
أرى ألسن الشكوى إليك كليلة ... وفيهنّ عن غير الثناء فتور
(1) أبو علي البصير: هو الفضل بن جعفر النخعي، شاعر وكاتب بليغ، توفي سنة 255هـ. معجم الشعراء (ص 314) ، والأعلام (ج 5ص 147) .
(2) الحر، بكسر الحاء وتشديد الراء أو تخفيفها: فرج المرأة. محيط المحيط (حرر) .
(3) هي جارية المتوكل، لم يكن في زمانها أفصح منها ولا أشعر. توفيت سنة 260هـ. ترجمتها في فوات الوفيات (ج 3ص 185) ، والأغاني (ج 19ص 314) ، والنجوم الزاهرة (ج 3ص 28) وفيه وفاتها سنة 258هـ.
(4) البيتان في الأغاني (ج 18ص 162) .
(5) في الأغاني: «حالت الراح بيننا وألوت بنا» .
(6) رواية البيت في الأغاني هي:
ولم يبق إلّا أن يميل بنا الكبرى ... ويجمع نوم بين جنب ومضجع