كيف يرجى لمقلتيّ هدوّ ... ورقادي لطرف عيني عدوّ؟
بأبي من نعمت منه بيوم ... لم يزل للسرور فيه نموّ
يوم لهو قد التقى طرفاه ... فكأنّ العشيّ فيه غدوّ
إذ لشخص الرقيب فيه ثناء ... ولبدر السّماء منّي دنوّ
وقال ابن المعتز: [السريع]
يا ربّ ليل سحر كلّه ... مفتضح البدر عليل النّسيم
تلتقط الأنفاس برد النّدى ... فيه فنهديه لحرّ الهموم
لا أعرف الإصباح لمّا بدا ... في ضوئه إلّا بسكر النّديم
لبست فيه بالتذاذ الهوى ... ولذّة الرّاح ثياب النعيم
أخذ قوله: «سحر كله» من قول عبد الملك بن صالح بن عليّ، وقد قال له الرشيد لمّا دخل منبج [2] : أهذا منزلك؟ قال: هو لك، ولي بك يا أمير المؤمنين، قال: كيف بناؤه؟ قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل الناس، قال: وكيف ذلك وقدرك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسّى به، وأقفو أثره، وأحذو حذوه، قال:
فكيف طيب منبج؟ قال: عذبة الماء، قليلة الأدواء، قال: فكيف ليلها؟ قال: سحر كله؟
وأخذ هذا الطائي فقال [3] : [الكامل]
أيامنا مصقولة أطرافها ... بك، والليالي كلّها أسحار
ولأهل العصر، قال أبو علي محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمي: [البسيط]
يا ربّ ليل سرور خلته قصرا ... كعارض البرق في أفق الدّجا برقا
قد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشّفقا
كأنّما طرفاه طرف اتفق ال ... جفنان منه على الإطباق وافترقا
ليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمها عليل، ليلة كبرد الشباب، وبرد الشراب. ليلة من ليالي الشباب، فضّيّة الأديم، مسكيّة النسيم. ليلة هي لمعة العمر، وغرّة الدهر. ليلة مسكيّة الأديم، كافوريّة النجوم. ليلة رقد الدّهر عنها، وطلعت
(1) منبج، بفتح الميم وسكون النون وكسر الباء: مدينة بناها كسرى. معجم البلدان (ج 5ص 205) .
(2) النص في معجم البلدان (ج 5ص 207) ببعض الاختلاف عمّا هنا.
(3) ديوان أبي تمام (ص 131) من قصيدة مديح.