فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 993

ديمة روّت أديم الثرى، ونبهت عيون النّور من الكرى، سحابة ركبت أعناق الرياح، وسحّت كأفواه الجراح، مطر كأفواه القرب، ووحل إلى الركب، أندية منّ الله معها على البيوت بالثّبوت، وعلى السقوف بالوقوف، أقبل السّيل ينحدر انحدارا، ويحمل أحجارا وأشجارا، كأن به جنة، أو في أحشائه أجنّة.

وبعض ما مرّ من هذه الألفاظ محلول نظام ما تقدّم إنشاده.

لبست السماء جلبابها، وسحبت السحائب أذيالها، قد احتجبت الشمس في سرادق الغيم، ولبس الجوّ مطرفه الأدكن، باحت الريح بأسرار النّدى، وضربت خيمة الغمام، ورشّ جيش النسيم، وابتلّ جناح الهواء، واغرورقت مقلة السماء، وبشّر النسيم بالندى، واستعدت الأرض للقطر، هبّت شمائل الجنائب، لتأليف شمل السحائب. تألّفت أشتات الغيوم، وأسبلت السّتور على النجوم.

قام خطيب الرّعد، ونبض عرق البرق، سحابة ارتجزت [1] رواعدها، وأذهبت ببروقها مطاردها، نطق لسان الرعد، وخفق قلب البرق، فالرعد ذو صخب، والبرق ذو لهب، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد، زأرت أسد الرعد، ولمعت سيوف البرق، رعدت [سيوف] الغمائم، وبرقت، وانحلّت عزاليّ السماء فطبقت، هدرت رواعدها، وقربت أباعدها، وصدقت مواعدها، كأن البرق قلب مشوق، بين التهاب وخفوق.

ما حكاه عمر بن علي المطوعي قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله بن أحمد أدام الله عزّه! أيام مقامه بجوين [2] أن يطالع قرية من قرى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزّه والتفرّج، فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه، واتّفق أنّا وصلنا والسماء مصحية، والجوّ صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب فوقع الاختيار على ظلّ شجرة باسقة الفروع، متّسقة الأوراق

(1) ارتجزت: صوّتت يقال: ارتجز الرعد إذا دمدم. محيط المحيط (رجز) .

(2) جوين، بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء: اسم كورة تمتدّ من بسطام إلى نيسابور. معجم البلدان (ج 2ص 192) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت