عسى ولعلّ الله يجمع بيننا ... كما لاءمت صدع الإناء مشاعبه
قال العتابي: حظّ الطالبين من الدّرك، بحسب ما استصحبوا من الصّبر.
بعض الحكماء: الحلم عدّة للسفيه، وجنّة [1] من كيد العدو، وإنك لن تقابل سفيها بالإعراض عن قوله إلّا أذللت نفسه، وفللت حدّه، وسللت عليه سيوفا من شواهد حلمك عنه، فتولّوا لك الانتقام منه.
وقال آخر: العجلة مكسبة للمذمّة، مجلبة للندامة، منفّرة لأهل الثقة، مانعة من سداد الرغبة.
وأتى العتابيّ وهو بالرّي رجل يودّعه فقال: أين تريد؟ قال: بغداد، قال: إنك تريد بلدا اصطلح أهله على صحّة العلانية، وسقم السريرة، كلّهم يعطيك كلّه، ويمنعك قلّه.
وقال يحيى بن خالد لرجل دخل عليه: ما كان خبرك مع فلان؟ قال: قد افتديت مكاشفته واشتريت مكاشرته [2] بألف درهم، فقال يحيى: لا تبرح حتى يكتب الفضل وجعفر عنك هذا القول.
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يدعو، ويقول: اللهمّ ارزقني عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنعّم بترك التنعّم، رجاء لما وعدت، وخوفا ممّا أوعدت.
وللعتابي: أمّا بعد، فإنه ليس بمستخلص غضارة عيش إلّا من خلال مكروهه، ومن انتظر بمعاجلة الدرك مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته.
كتب بعض الكتاب إلى أخ له: إن رأيت أن تحدّد لي ميعادا لزيارتك، أتقوّته [3] إلى وقت رؤيتك، ويؤنسني إلى حين لقائك، فعلت، إن شاء الله.
فأجابه: أخاف أن أعدك وعدا يعترض دون الوفاء به ما لا أقدر على دفعه، فتكون الحسرة أعظم من الفرقة.
(1) الجنّة: السّترة وكلّ ما وقى من سلاح. محيط المحيط (جنن) .
(2) يقال: كاشره مكاشرة: أي ضاحكه وحرّك عليه أسنانه، والمراد هنا معالنته بالبغض. محيط المحيط (كشر) .
(3) أتقوّته: أجعله قوتا لي. لسان العرب (قوت) .