كم فيهم من آمر برشيدة ... لم يأتها، ومرغب رفّاض
يا حسرتي لمودّة أدبية ... لم نفترق عنها افتراق تراض
ليس العتاب بنافع في قاطع ... أعيا المشيب تتابع المقراض
ثم قال بعد هذا التبكيت والعتاب ما منعه أن يتوهّم أنه هجاه: [الكامل]
ولما هجوتك، بل وعظتك إنّني ... لا أجعل الأعراض كالأغراض [1]
فاكفف سهامك عن أخيك فإنما ... آسفته، فرماك بالمعراض
فمتى حلمت وجدت أحنف دهره ... ومتى جهلت منيت بالبرّاض
فاعذر أخاك على الوعيد فإنما ... أنذرت قبل الرّمي بالإنباض
[واعلم وقيت الجهل أن خساسة ... بطر الغنى ومذلّة الإبعاض]
ثم هجاه بقوله: [البسيط]
وما تكلمت إلّا قلت فاحشة ... كأن فكّيك للأغراض مقراض
مهما تقل فسهام منك مرسلة ... وفوك قوسك والأعراض أغراض
وابن الرومي هذا كما قال مسلم بن الوليد الأنصاري في الحكم بن قنبر المازني:
[الخفيف]
عابني من معايب هنّ فيه ... حكم فاشتفى بها من هجاني
وكما قال الآخر: [الطويل]
ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب
وروى عيسى بن دأب قال: أوّل ما عرف الأحنف بن قيس وقدّم أنه وفد على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وكان أحدث القوم سنا، وأقبحهم منظرا، فتكلّم كل رجل من الوفد بحاجته في خاصته، والأحنف ساكت، فقال له عمر: قل يا فتى! فقام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ العرب نزلت بمساكن طيبة ذات ثمار وأنهار عذاب، وأكنّة ظليلة [2] ، ومواضع فسيحة، وإنا نزلنا بسبخة نشّاشة، ماؤها ملح، وأفنيتها ضيقة، وإنما يأتينا الماء في مثل حلق النعامة فإلّا تدركنا يا أمير المؤمنين بحفر نهر يغزر ماؤه، حتى
(1) الأغراض: جمع غرض وهو ما يجعله الرامي هدفا يقصد برميه إليه. لسان العرب (غرض) .
(2) الأكنّة: جمع كنّ وهو السّتر الواقي من الحرّ والبرد. الظليلة: ذات الظلّ. لسان العرب (كنن) و (ظلل) .