فهرس الكتاب

الصفحة 911 من 993

أمير المؤمنين، نفّست الخناق، وسهّلت ميدان السباق، ثم قال: [الطويل]

بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبّة الإسلام فاخضرّ عودها

هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها

فقال الرشيد: وأنت بارك الله فيك، سل ولا تكن مسألتك دون إحسانك، فقال:

الهنيدة [1] يا أمير المؤمنين! فأمر له بها، وبخلع نفيسة، وصلة جزيلة.

دخل يزيد بن أبي مسلم، كاتب الحجاج، على سليمان بن عبد الملك، فازدراه ونبت عينه عنه، فقال: ما رأت عيني كاليوم قطّ، لعن الله امرأ أجرّك رسنه، وحكّمك في أمره. فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل ذلك فإنك رأيتني والأمر عني مدبر، وعليك مقبل فلو رأيتني والأمر عليّ مقبل، وعنك مدبر، لاستعظمت منّي ما استصغرت، واستكبرت ما استقللت.

قال: عزمت عليك يا ابن أبي مسلم لتخبرنّي عن الحجاج، أتراه يهوي في جهنم أم قد قرّبها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا في الحجاج، وقد بذل لكم النصيحة، وأمّن دولتكم، وأخاف عدوّكم، وكأني به يوم القيامة وهو عن يمين أبيك، ويسار أخيك، فاجعله حيث شئت.

فقال له سليمان: أعزب [2] إلى لعنة الله! فخرج، فالتفت سليمان إلى جلسائه فقال:

قاتله الله! ما أحسن بديهته، وترفيعه لنفسه ولصاحبه! وقد أحسن المكافأة في الصنيعة، خلّوا عنه.

قال إبراهيم بن العباس الموصلي: والله ما اتّكلت في مكاتبة قطّ إلّا على ما يجلبه خاطري، ويجيش به صدري، إلّا قولي في فصل وصار ما كان يحررهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم. وقولي في رسالة أخرى: «فأنزلوه من معقل إلى عقّال، وبدّلوه آجالا بآمال» ، فإني ألممت في هذا بقول الصريع [3] : [البسيط]

موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل

(1) الهنيدة: اسم للمائة من الإبل وغيرها. محيط المحيط (هند) .

(2) عزب الرجل: ذهب. محيط المحيط (عزب) .

(3) البيت لصريع الغواني، وقد تقدّم ضمن ستة أبيات قالها في يزيد بن مزيد، وهو في ديوان مسلم بن الوليد (ص 9) ، والشعر والشعراء (ص 714) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت