أتى قوم من العرب شيخا لهم قد أربى على الثمانين، وأهدف على التسعين [1] ، فقالوا: إنّ عدوّنا استاق [2] سرحنا، فأشر علينا بما ندرك به الثّأر، وننفي به العار، فقال:
الضعف فسخ همّتي، ونكث إبرام عزيمتي، ولكن شاوروا الشجعان من ذوي العزم، والجبناء من ذوي الحزم فإنّ الجبان لا يألو برأيه ما يقي مهجكم، والشجاع لا يألو برأيه ما يشيد ذكركم، ثم أخلصوا من الرأي بنتيجة تبعد عنكم معرّة نقص الجبان، وتهوّر الشجعان، فإذا نجم الرأي على هذا كان أنفذ على عدوكم من السّهم الصائب، والحسام القاضب.
قال الأصمعي: سمعت أعرابية تقول لرجل تخاصمه: والله لو صوّر الجهل لأظلم معه النهار، ولو صوّر العقل لأضاء معه الليل، وإنك من أفضلهما لمعدم فخف الله، واعلم أنّ من ورائك حكما لا يحتاج المدّعي عنده إلى إحضار البيّنة.
قال الفرزدق يهجو كليبا [3] : [الوافر]
ولو يرمى بلؤم بني كليب ... نجوم الليل ما وضحت لساري [4]
ولو لبس النهار بنو كليب ... لدنّس لؤمهم وضح النهار
وقال سفيان بن عيينة: سمعت أعرابيا يقول عشية عرفة: اللهمّ، لا تحرمني خير ما عندك لشرّ ما عندي، وإن لم تتقبّل تعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته.
(1) أهدف على التسعين: أشرف عليها. لسان العرب (هدف) .
(2) استاق سرحنا: ساقها، والسّرح: المال السائم. لسان العرب (سوق) و (سرح) .
(3) البيتان لم يردا في ديوان الفرزدق طبعة دار مكتبة الحياة، ولكنهما وردا في ديوان الفرزدق طبعة دار صادر (ج 1ص 353) . وهما في الشعر والشعراء لابن قتيبة (ص 401) .
(4) في الديوان والشعر والشعراء: «ترمى» بدل «يرمى» .