وقال آخر منهم لصديق استبطأه فلامه: كانت لي إليك زلّة يمنعني من ذكرها ما أمّلت من تجاوزك عنها، ولست أعتذر إليك منها إلّا بالإقلاع عنها.
وقال آخر لابن عمّ له: والله ما أعرف تقصيرا فأقلع، ولا ذنبا فأعتب، ولست أقول:
إنك كذبت، ولا إنني أذنبت.
وقال آخر لابن عمّ له: سأتخطّى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين، ومن الآخر على شكّ، لتتمّ النعمة مني إليك، وتقوم الحجّة لي عليك.
وأصيب أعرابيّ بابن له فقال وقد قيل له: اصبر أعلى الله أتجلّد، أم في مصيبتي أتبلّد؟ والله للجزع من أمره أحبّ إليّ الآن من الصبر لأنّ الجزع استكانة، والصبر قساوة، ولئن لم أجزع من النقص لا أفرح بالمزيد.
ودعا أعرابي فقال: اللهمّ إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضلّ في هداك، أو أذلّ في عزّك، أو أضام في سلطانك، أو أضطهد والأمر إليك.
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يعظ رجلا وهو يقول: ويحك! إنّ فلانا وإن ضحك إليك، فإنه يضحك منك، ولئن أظهر الشفقة عليك، إنّ عقاربه لتسري إليك فإن لم تتّخذه عدوّا في علانيتك، فلا تجعله صديقا في سريرتك.
سمع أعرابيّ رجلا يقع في السلطان، فقال: إنك غفل لم تسمك التجارب، وفي النصح لسع العقارب، كأني بالضاحك إليك، وهو باك عليك.
وحذّر بعض الحكماء صديقا له صحبه رجل، فقال: احذر فلانا فإنه كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخره، ويعتبر ما أخّرت بما قدّمت، فلا تظهرنّ له المخافة فيرى أن قد تحرّزت واعلم أنّ من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر، فباثثه مباثّة الآمن، وتحفّظ منه تحفّظ الخائف فإنّ البحث يظهر الخفيّ الباطن، ويبدي المستكنّ الكامن.
أتى أعرابيّ رجلا لم يكن بينه وبينه حرمة في حاجة له، فقال: إني امتطيت إليك الرجاء، وسريت على الأمل، ورافقت الشكر، وتوسّلت بحسن الظنّ، فحقق الأمل، وأحسن المثوبة، وأكرم الصّفد [1] ، وأقم الأود [2] ، وعجّل السّراح.
(1) الصّفد، بالفتح: العطاء. لسان العرب (صفد) .
(2) الأود، بالفتح: العوج. لسان العرب (أود) .