وبعد مقامنا مقام، ووراء أيامنا أيّام، بها فصل الخطاب، ومواقع الصواب، وسأعود فأقول، إن شاء الله تعالى.
وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حبسه، فقال: يا عبد الملك، أكفرا بالنّعمة، وغدرا بالسلطان، ووثوبا على الإمام؟ فقال: يا أمير المؤمنين، بؤت بأعباء الندم، واستحلال النّقم، وما ذاك إلّا من قول حاسد، ناشدتك الله والولاية، ومودّة القرابة. فقال الرشيد: يا عبد الملك، تضع لي لسانك، وترفع لي جنانك، بحيث يحفظ الله لي عليك، ويأخذ لي منك، هذا كاتبك قمامة ينبىء عن غلّك [1] ، فالتفت عبد الملك إلى قمامة وكان قائما، فقال: أحقّا يا قمامة؟ قال: حقّا، لقد رمت ختر [2] أمير المؤمنين! فقال عبد الملك: وكيف لا يكذب عليّ يا أمير المؤمنين في غيبتي من يبهتني في حضرتي؟ فقال الرشيد: دع قمامة، هذا ابنك عبد الرحمن ينبىء عنك بمثل خبر قمامة، فقال عبد الملك: إنّ عبد الرحمن مأمور أو عاقّ فإن كان مأمورا فهو معذور، وإن كان عاقا فما أتوقّع من عقوقه أكثر.
وقال الرشيد للحسن بن عمران وقد أدخل عليه يرسف في قيوده: ولّيتك دمشق وهي جنّة موثقة، تحيط بها غدر كاللّجين، فتكف على رياض كالزّرابي، وكانت بيوت أموال فما برح بها التعدّي، حتى تركتها أجرد من الصّخر، وأوحش من القفر! فقال:
يا أمير المؤمنين، ما قصدت لغير التوفيق من جهته، ولكني ولّيت أقواما ثقل على أعناقهم الحقّ، فتفرّغوا في ميدان التعدّي، ورأوا أن المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار السلطان، وأنوه بالشنعة فلا جرم أنّ موجدة أمير المؤمنين قد أخذت لهم بالحظّ الأوفر من مساءتي! فقال عبد الله بن مالك: هذا أجزل كلام سمع لخائف، وهذا ما كنّا نسمعه عن الحكماء: «أفضل الأشياء بديهة أمن وردت في مقام خوف» .
ولما رضي الرشيد عن يزيد بن مزيد دخل عليه فقال: الحمد لله الذي سهل لي سبل الكرامة بلقائك، وردّ عليّ النعمة بوجه الرضا منك، وجزاك الله في حال سخطك حقّ المتثبتين المراقبين، وفي حال رضاك حقّ المنعمين المتطوّلين فقد جعلك الله وله الحمد تتثبّت [تحرّجا] عند الغضب، وتتطول [ممتنّا] بالنعم، وتستبقي المعروف عند الصنائع تفضّلا بالعفو.
(1) الغلّ: الحقد. محيط المحيط (غلل) .
(2) الختر: الغدر والخديعة. القاموس المحيط (ختر) .