فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 993

عن رسالته، فلم ندر ما نقول، ونظر بعضنا إلى بعض فقال: أما عندكم جواب؟ قلنا:

القاضي أعزّه الله، أعلم بجوابه منّا، فقال للرسول: اقرأ عليه السلام، وقل له: ما أتيتك متكثّرا بك من قلّة، ولا متعزّزا بك من ذلّة، ولا طالبا منك رتبة، ولا شاكيا إليك كربة، ولكنّك رجل ساعدك زمان، وحرّكك سلطان، ولا علم يؤلف، ولا أصل يعرف فإن جئتك فبسلطانك، وإن تركتك فلنفسك! فعجبنا من جوابه.

صعد خالد بن عبد الله القسري المنبر يوم جمعة، فخطب وهو إذ ذاك أمير على مكة، فذكر الحجّاج فأحمد طاعته، وأثنى عليه خيرا، فلمّا كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشتم الحجّاج وذكر عيوبه، وإظهار البراءة منه، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له بذلك فضلا، وكان الله تعالى قد علم من غشّه ما خفي عن الملائكة، فلّما أراد الله فضيحته ابتلاه [1] بالسجود لآدم فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم فلعنوه وإنّ الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنّا نرى له بذلك فضلا، وكان الله عزّ وجلّ، أطلع أمير المؤمنين من غلّه وخبثه على ما خفي عنّا، فلّما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدي أمير المؤمنين، فالعنوه، لعنه الله. ثم نزل.

وكان أبو تمام قد مدح الأفشين التركي، واسمه خيذر بن كاوس، وكان من أجلّ قوّاد المعتصم، وأبلى في أمر بابك الخرّميّ بلاء حمده له فلمّا سخط المعتصم عليه لما نسب إليه من سوء السيرة، وقبح السريرة، وأنه يخطب درجة بابك، ويريد التحصّن بموضع يخلع فيه يده عن الطاعة، وأظهر القاضي أحمد بن أبي دواد عليه أنه على غير الإسلام، قال أبو تمام معتذرا للمعتصم من تقديمه واجتبائه، ولنفسه من مدحه وإطرائه [2] : [الكامل]

ما كان لولا فحش غدرة حيدر ... ليكون في الإسلام عام فجار

هذا الرسول وكان صفوة ربّه ... من خير باد في الأنام وقار [3]

(1) ابتلاه: اختبره. القاموس المحيط (بلي) .

(2) ديوان أبي تمام (ص 135134) .

(3) في الديوان: «النبيّ» بدل «الرسول» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت