فكتب إليه محمد: قد صغّر شكرك لنا ما أسلفناه إليك فخذ ما أنفذناه ثوابا عن معرفتك بشكر التافه عندي، وإلّا سمح شكرك بما رأيناك له أهلا إلى أن يتّسع قبول مثلك ما يستحقّ به جميل الدعاء، وجزيل الثناء، إن شاء الله تعالى.
ولمّا مات قرد زبيدة بنت جعفر [1] ساءها ذلك، ونالها من الغمّ ما عرفه الصغير والكبير من خاصّتها، فكتب إليها أبو هارون العبديّ:
أيتها السيدة الخطيرة إنّ موقع الخطب بذهاب الصغير المعجب كموقع السرور بنيل الكثير المفرح، ومن جهل قدر التعزية عن التّافه الخفيّ، عمي عن التهنئة بالجليل السّنيّ، فلا نقصك الله الزائد في سرورك، ولا حرمك أجر الذاهب من صغيرك.
فأمرت له بجائزة.
وكتب أبو إسحاق الصابي عن ابن بقية في أيام وزارته إلى أبي بكر بن قريعة يعزّيه عن ثور أبيض بقوله، وجلس للعزاء عنه تراقعا وتحامقا:
التعزية على المفقود أطال الله بقاء القاضي إنما تكون بحسب محلّه من فاقده، من غير أن تراعى قيمته ولا قدره، ولا ذاته ولا عينه إذ كان الغرض فيها تبريد الغلّة، وإخماد اللّوعة، وتسكين الزّفرة، وتنفيس الكربة، فربّ ولد عاقّ، وشقيق مشاقّ، وذي رحم أصبح لها قاطعا، [ولأهله فاجعا] ، وقريب قوم قد قلّدهم عارا، وناط بهم شنارا [2] ، فلا لوم على ترك التعزية عنه، وأحر بها [3] أن تستحيل تهنئة بالراحة منه وربّ مال صامت غير ناطق، قد كان صاحبه به مستظهرا، وله مستثمرا، فالفجيعة به إذا فقد موضوعه موضعها، والتعزية عنه واقعة منه موقعها. وقد بلغني أن القاضي أصيب بثور كان له، فجلس للعزاء عنه شاكيا، وأجهش عليه باكيا، والتدم [4] عليه والها، وحكيت عنه حكايات في التأبين له، وإقامة النّدبة عليه، وتعديد ما كان فيه من فضائل البقر التي تفرقت في
(1) زبيدة بنت جعفر: زوجة هارون الرشيد، وأمّ الأمين العباسي. توفيت سنة 216هـ. ترجمتها في وفيات الأعيان (ج 2ص 314) ، وتاريخ بغداد (ج 14ص 433) ، والنجوم الزاهرة (ج 2 ص 213) ، والأعلام (ج 3ص 42) .
(2) الشّنار: أقبح العيب. محيط المحيط (شنر) .
(3) يقال: ما أحراه به: أي ما أجدره. محيط المحيط (حرى) .
(4) التدم الرجل: اضطرب. محيط المحيط (لدم) .