فهرس الكتاب

الصفحة 856 من 993

رأيك، فإن رأيت إظهاره بسرور الصّديق، ورغم العدوّ، فعلت، قال هشام: أوجزت وملحت فيما سألت فلا تردّ لك طلبة، فما سأله شيئا إلّا أعطاه أكثر منه.

قال حميد بن بلال: ولي عمرو بن مسعدة فارس وكرمان، فقال له بعض أصحابه:

أيها الأمير، لو كان الحياء يظهر سؤالا لدعاك حيائي من كرمك في جميع أهليك إلى الإقبال عليّ بما يكثر به حسد عدوّي، دون أن أسألك، فقال عمرو: لا تبغ ذلك بابتذالك ماء وجهك، ونحن نغنيك عن إراقته في خوض السؤال، فارفع ما تريده في رقعة يصل إليك سرّا، ففعل.

وقال رجل من أهل فارس: قدم على محمد بن طيفور، وهو عامل على بلاد أصبهان لبعض أهلها: كم تقدّرون صلات محمد في كلّ سنة للشعراء والمتوسّلين؟ قالوا:

مائة ألف دينار، سوى الخلع والحملان [1] .

وورد عليه يوما كتاب من بعض إخوانه في شأن رجل استماحه له في درجه [2] : أنت أعزّك الله تعالى أجلّ من أن يتوسّل بغيرك إليك، وأن يستماح جودك إلّا بك، غير أني أذكرك بكتابي في أمر حامله، ما شرع كرمك [من الشكر] وزرع إحسانك من الأجر، قبل الصادرين والواردين فهنّاك الله تعالى ذلك، ولا زالت يد الله بجميل إحسانه ونعمته متواترة عليك.

فقال محمد للرجل: احتكم لك وله فأخذ منه ألف دينار، ولمن كتب له مثلها.

وقال رجل لإبراهيم بن المهديّ: قد أوحشني منك تردّد غليل في صدري أهابك عن إظهاره، وأجلّك عن كشفه، فقال له إبراهيم: لكني أكشف لك معروفي، وأظهر إحساني فإن يكن غير هذين في خلدك، فاكتب رقعة يخرج توقيعي سرّا لتقف على ما تحبّ، فبلغ كلامه المهدي فقال: هذا والله غاية الكرم.

وكتب محمد بن طيفور [3] لبعض خاصته بمال وصّاه به، فكتب الرجل إليه: قد استغرقت نعمتك وجوه الشكر لك، وغرر الحمد فيما سلف منك، ولولا فرط عجزي عن تلقّي ما يجب لك من الحمد لقبلت ما أنفذته.

(1) الخلع: جمع خلعة وهي ما يخلع على الإنسان. الحملان: ما يحمل عليه من الدواب في الهبة خاصة. محيط المحيط (خلع) و (حمل) .

(2) درج الكتاب: طيّه. محيط المحيط (درج) .

(3) محمد بن طيفور: مفسّر، عالم بالقراءات، توفي سنة 560هـ. الأعلام (ج 6ص 179) ومصادر حاشيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت