فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 993

وقيل لعبد الله بن المقفع: ما بال العاقل المميز الذهن، واللبيب الفطن، يتعرّض للحب وقد رأى منه مواضع الهلكة، ومصارع التّلف، وعلم ما يؤول إليه عقباه، وترجع به أخراه على أولاه؟ فقال: زخرف ظاهر العشق بجمال زينة يستدعي القلوب إلى ملامسته، وملّي بعاجل حلاوة يطبي [1] النفوس إلى ملابسته، كظاهر زخرف الدنيا، وبهاء رونقها، ولذيذ جنى ثمرها، وقد سكرت أبصار قلوب أبنائها عن النظر إلى قبيح عيوب أفعالها، فهم في بلائها منغمسون، وفي هلكة فتنتها متورّطون، مع علمهم بسوء عواقب خطبها، وتجرّع مرارة شربها، وسرعة استرجاعها ما وهبت، وإخراجها ممّا ملكت، فليس ينجو منها إلّا من حذرها، ولا يهلك فيها إلّا من أمنها، وكذلك صورة الهوى هما في الفتنة سواء.

وقال ابن دريد: قال بعض الحكماء: أغلق أبواب الشبهات بأفعال الزهادة، [وافتح أبواب البرّ بمفاتيح العبادة] فإنّ ذلك يدنيك من السعادة، وتستوجب من الله الزيادة.

وقال غيره: إنّ اللذة مشوبة بالقبح ففكّروا في انقطاع اللذة وبقاء ذكر القبح.

قال أبو عبد الله بن إبراهيم بن عرفة [نفطويه] [2] : [الكامل]

ليس الظريف بكامل في ظرفه ... حتى يكون عن الحرام عفيفا [3]

فإذا تعفّف عن محارم ربّه ... فهناك يدعى في الأنام ظريفا

وقال: [البسيط]

كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر

وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتقبيل والنّظر

أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر

(1) يطبي النفوس إلى ملابسته: يدعوها إلى ملابسته. محيط المحيط (طبا) .

(2) نفطويه: هو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي إمام في النحو. توفي سنة 323هـ.

ترجمته في معجم الأدباء (ج 1ص 159) ، ووفيات الأعيان (ج 1ص 47) ، وبغية الوعاة (ص 187) ، وتاريخ بغداد (ج 6ص 159) ، وإنباه الرواة (ج 1ص 176) ، وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي (ص 172) ، والفهرست (ص 90) ، والأعلام (ج 1ص 61) والبيتان في تحفة العروس (ص 47) .

(3) في تحفة العروس: «المليح» بدل «الظريف» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت