فلمّا انتهيت إليه سألني فاقتصصت الكلام، فكسر إحدى عينيه، وقال: إني لأسمع كلاما ما أنت بأبي عذرته [1] . قلت: صدقت! وحياتك يا أمير المؤمنين اشتريته بدرهمين! فاستغرب ضحكا، ثم أحسن صلتي.
وقال أعرابي يمدح رجلا: [الطويل]
حليم مع التّقوى، شجاع مع الجدا ... ند حين لا يندى السّحاب سكوب [2]
ويجلو أمورا لو تصيّفن غيره ... لمات خفاتا أو لكاد يذوب
شديد مناط القلب في الموقف الذي ... به لقلوب العالمين وجيب
فتى هو من غير التخلّق ماجد ... ومن غير تأديب الرّجال أديب
وقال بعض المحدّثين يمدح: [الطويل]
فتى يجعل المعروف قبل سؤاله ... ويجعل دون العذر فضل التّكرّم
أغرّ متى تقصد به فضل حظّه ... تصب ومتى تطلب به الغنم تغنم
على رأيه ينضمّ منصدع الصّفا ... وينحلّ من عقد العرى كلّ مبرم
له عزمة أغنى من الجيش في الوغى ... وخطرة رام كالحسام المصمّم
وهذا اسم وافق مسمّاه، ولفظ طابق معناه، وكلام غضّ المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفا، والهوى يعشقه ظرفا.
ولمّا رأى أبا بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي [4] أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للأفكار والضمائر، في معارض أعجمية، وألفاظ حوشية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو
(1) العذرة: البكارة وأبو عذرته: أول من افتضّ بكارته. القاموس المحيط (عذر) . يقول: إنه مبدع الكلام.
(2) الجدا: العطيّة. ند: اسم فاعل من ندي وهو المبتلّ بالماء. القاموس المحيط (جدا) و (ندا) .
(3) أحمد بن الحسين الهمذاني: أحد أئمة الكتّاب، وصاحب المقامات المشهورة. توفي سنة 398هـ.
ترجمته في يتيمة الدهر (ج 4ص 256) ووفيات الأعيان (ج 1ص 127) ومعجم الأدباء (ج 1 ص 265) ومعاهد التنصيص (ج 3ص 113) والأعلام (ج 1ص 115) .
(4) في الأصل: «الحسين» بدل «الحسن» . ومحمد بن الحسن بن دريد إمام عصره في اللغة والآداب.
توفي ببغداد سنة 321هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 4ص 323) ومعجم الأدباء (ج 5 ص 296) وتاريخ بغداد (ج 2ص 195) والفهرست (ص 67) .