القلب بقرحه، وكيف أصف حالا لا يقرع الدهر مروة حاله [1] ، ولا ينتقض عروة إجلاله فما أولاني بأن أذكره مجملا، وأتركه مفصّلا، والسلام.
وكتب إلى بعض إخوانه في أمر رجل ولي الأشراف:
فهمت ما ذكرت أطال الله بقاءك من أمر فلان أنه ولي الأشراف، فإن يصدق الطير يكن إشرافا على الهلاك، بأيدي الأتراك، فلا تحزنك ولايته فالحبل لا يبرم إلّا للفتل، ولا تعجبك خلعته فالثور لا يزيّن إلّا للقتل، ولا يرعك نفاقه فأرخص ما يكون النّفط إذا غلا [وأسفل ما يكون الأرنب إذا علا] ، وكأنّي به وقد شنّ عليه جران العود [2] ، شنّ المطر الجود، وقيّد له مركب الفجار، من مربط النجار، وإنما جرّ له الحبل، ليصفع كما صفع من قبل، وستعود تلك الحالة إحالة، وينقلب ذلك الحبل حبالة، فلا يحسد الذئب على الإلية يعطاها طعمة، ولا يحسب الحبّ ينثر للعصفور نعمة، [وهبه ولّي إمارة البحرين أليس مرجعه ذلك العقل، ومصيره ذلك الفضل، ومنصبه ذلك الأصل، وعصارته ذلك النسل، وقعيدته[3] تلك الأهل]، وقوله ذلك القول، وفعله ذلك الفعل، فكان ماذا؟
أليس [ما] قد سلب أكثر مما أوتي، وما عدم أوفر ممّا غنم؟ ما لك تنظر إلى ظاهره، وتعمي عن باطنه؟ أكان يعجبك أن تكون قعيدته في بيتك، وبغلته من تحتك، أم كان يسرّك أن تكون أخلاقه في إهابك، وبوّابه على بابك؟ أم كنت تودّ أن تكون وجعاؤه في إزارك، وغلمانه في دارك؟ أم كنت ترضى أن تكون في مربطك أفراسه، وعليك لباسه، ورأسك راسه؟ جعلت فداك! ما عندك خير ممّا عنده، فاشكر الله وحده على ما آتاك، واحمده على ما أعطاك، ثم أنشد: [البسيط]
إن الغنيّ هو الراضي بعيشته ... لا من يظلّ على الأقدار مكتئبا
ألّف سهل بن هارون كتابا يمدح فيه البخل ويذمّ الجود ليظهر قدرته على البلاغة،
الماشي راجلا وهو بيذق الشطرنج لأنه عبارة عن المشاة في الحرب. محيط المحيط (فرزن) و (بيذق) .
(1) المروة: واحدة المرو وهو حجر أبيض رقيق يوري النار. وقوله: يقرع الدهر مروة حاله: أي يصيبه بسوء. محيط المحيط (مرو) و (قرع) .
(2) جران العود: لقب عامر بن الحرث النمري، لقّب به لقوله يخاطب امرأتيه: [الطويل]
خذا حذرا يا جارتيّ فإنني ... رأيت جران العود قد كاد يصلح
محيط المحيط (جرن) .
(3) القعيدة: المرأة لقعودها في البيت. محيط المحيط (قعد) .