نشاطا. الدنيا مؤنّثة، والرجال يخدمونها. والنار مؤنثة، والذكور يعبدونها. والأرض مؤّنثة، ومنها خلقت البريّة، وفيها كثرت الذّريّة. والسماء مؤنّثة، وقد حلّيت بالكواكب، وزيّنت بالنجوم الثواقب. والنفس مؤنّثة، وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان. والحياة مؤنّثة، ولو لاها لم تتصرّف الأجسام ولا عرف الأنام. والجنّة مؤنّثة، وبها وعد المتّقون، وفيها ينعم المرسلون فهنأك الله ما أوليت، وأوزعك شكر ما أعطيت، وأطال الله بقاءك ما عرف النّسل والولد، وما بقي العصر والأبد إنه فعّال لما يشاء.
والتصرّف في النساء ضيّق النطاق، شديد الخناق، وأكثر ما يمدح به الرجال ذمّ لهنّ، ووصم عليهنّ، قال ابن الرومي: [البسيط]
ما للحسان مسيئات بنا، ولنا ... إلى المسيئات طول الدّهر تحنان
فإن يبحن بعهد قلن: معذرة ... إنّا نسينا، وفي النسوان نسيان
لا نلزم الذّكر، إنّا لم نسمّ به ... ولا منحناه، بل للذّكر ذكران
فضل الرجال علينا أنّ شيمتهم ... جود وبأس وأحلام وأذهان
وأنّ منهم وفاء لا نقوم له ... وهل يكون مع النّقصان رجحان؟
وقال أبو الطيب المتنبي [1] : [الطويل]
بنفسي الخيال الزّائري بعد هجعة ... وقولته لي: بعدنا الغمض تطعم
سلام فلولا البخل والخوف عنده ... لقلنا أبو حفص علينا المسلّم [2]
ألا ترى أنّ الجود، والوفاء بالعهود، والشجاعة والفطن، وما جرى في هذا السّنن، من فضائل الرجال، لو مدح النساء به لكان نقصا عليهنّ، وذمّا لهنّ؟
ولمديح النساء أبواب تفرّقت في الكتاب:
أنشد رجل زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور: [مجزوء الكامل]
أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكفّ من الرّغاب
فوثب إليه الخدم يضربونه، فمنعتهم من ذلك، وقالت: أراد خيرا وأخطأ، وهو أحبّ إلينا ممّن أراد شرّا فأصاب، سمع قولهم «شمالك أندى من يمين غيرك» فظنّ أنه إذا
(1) ديوان المتنبي (ص 111) .
(2) في الديوان: «فلولا الخوف والبخل عنده لقلت أبو» .